• 20 شباط 2026
  • أقلام مقدسية


بقلم د. علي قليبو

أقود سيارتي بتؤدة وحذر، بسرعة لا تتجاوز السبعين، وألتزم أقصى اليمين تجنباً لأي مفاجأة؛ أنظر إلى اليمين والشمال، وفي المرآة أنظر إلى الخلف، وأتوجس خوفاً من أن يضرب السائق أمامي على فرامله فجأة، أو أن يقفز أحد المارة أمامي. أنا خلف هذا المقود في طريقي لشراء ضروريات الطعام للإفطار الرمضاني، الذي تم الإفتاء بتوقيت غير متوقع لبدئه اليوم بدلاً من غد؛ فيكفي سائقان متوتران ينطلقان كالقذيفة ليسلباك حياتك.

هذا التوجس ليس إلا انعكاساً لـ "قلق وجودي" يتملكنا جميعاً؛ فهو نتاج الظروف السياسية والاقتصادية القاسية التي يمر بها الفلسطينيون تحت الاحتلال. فعلى عتبة رمضان، تم منع الاستعدادات لإقامة المظلات لحماية المصلين من الشمس والمطر، خاصة ونحن في شهر شباط، ويرافق ذلك حصر عدد المصلين الوافدين يوم الجمعة، والأدهى من ذلك اقتطاع حيز زمني في الحرم الشريف من الساعة السادسة صباحاً وحتى الحادية عشرة لإقامة شعائر يهودية دينية تشمل الغناء بصوت مرتفع والرقص؛ في تجاوز خطير يهدد المسجد الأقصى وأرض المعراج، ويقيد حريتنا في العبادة والاعتكاف بالمسجد الأقصى كما درجت العادة في رمضان.

وهو ما يخلق ضغطاً نفسياً شديداً وتصعيداً استفزازياً لمشاعر الفلسطينيين؛ وما هذه "الطوشات" والشجارات التي تندلع كالهشيم في النار بين الأهل والجيران في الخليل ويطا وكفر عقب والعيزرية، إلا ظاهرة تعبر عن القلق والترقب الفلسطيني مما يخبئه المستقبل من مكائد. فكيف بك ونحن الآن في أول أيام الشهر الفضيل؟

وبينما أرقب الطريق، أرصد حركة السير، تتوارد الخواطر ببالي كشريط سينمائي لفيلم رعب يستعرض واقعنا الأليم؛ حيث نعيش كابوساً يتمثل في اجتثاث المخيمات وتدمير المنازل. وتخيل وضع الفلسطيني في الضفة إذا ما اعترضت طريقه ثلة من المستوطنين تنهال عليه بالضرب. إنه واقع يُقتل فيه البشر ويُحرق الشجر، في تحدٍ عظيم يجعل المستقبل يبدو قاتماً، ويدفع بنا إلى مواجهة كابوس الرعب الذي يدور في الخلد ولا نجرؤ على بوحه، أو طرحه، أو مواجهته: آجلاً أم عاجلاً هل سيتم ترحيلنا؟ نبقى أم لا نبقى؟ سؤال يقلق مضاجعنا.

توقف السير فجأة، وتتوقف معه الحركة، فينهمر شلالاً من الأفكار يسرقني من ذاتي؛ يسلبني التمتع بأول أيام الصوم ويحرمني لذة اللحظة، وأنا أترنح تحت جرعة الواقع المرير. لقد تمسكنا طويلاً بحلم العدالة، فإذا به 'أوهى من بيت العنكبوت'؛ فلقد كشف ملف 'أبستين' عن فساد المنظومة السياسية والاقتصادية العالمية التي استفردت بحكم العباد، وسقطت الأقنعة لندرك أن هؤلاء منغمسون في بذخٍ فاجرٍ ينم عن ازدراء مطلق للشرائع الدينية، ضاربين بعرض الحائط القيم الإنسانية؛ حيث باتت المحرمات ومفاهيم الدين عدماً في نظرهم، يبحثون عن لذة سادية في تعذيب واغتصاب وقتل الأطفال والتجارة بهم، في سقوطٍ صاعقٍ غدا نمط حياة لرجالات الحكم والاقتصاد، ولمن كانوا بنظرنا أهل القدوة والشأن.

لقد تلقينا صفعة مدوية أيقظتنا من حالة السبات العميق الذي غرقنا فيه، وأفقتنا من شَرَك الضلال والتضليل؛ فبين ليلة وضحاها استفقنا لنجد أننا عشنا وهماً كبيراً بنينا حوله صرحاً من الأمل والرجاء، فإذا به يتهاوى أمام أعيننا؛ وإذ بقيمنا وأخلاقياتنا باتت 'قاموساً غير متداول' في معجم الاقتصاد الإمبريالي المعاصر بصيغته الصهيونية. هذه المنظومة التي لا تربطها صلة بشريعة أو خطاب إنساني، جعلت التعويل على تحقيق العدالة في الأرض سراباً.

تشوب بهجة رمضان غلالة من القهر؛ فما زالت الحرب التي شنها العالم علينا مستمرة، يرافقها تعطل سبل العيش وركود الأسواق. ومع ترادف الأنباء عن مآسي جنين وطولكرم ونابلس، تتعالى الأصوات بمطالب تهجير أهلنا في غزة وفي الضفة الغربية. لقد أصبح 'رعاع المستوطنين' بين ليلة وضحاها 'أصحاب حق'، بينما أمسينا نحن 'المستعمرين الأشرار'؛ معزولين في القدس عن ضفة متقطعة الأوصال في سجن كبير يهدد بقاءنا.

ويزيد من حدة قهرنا تمديد ساعات اقتحام المستوطنين للأقصى ليمارسوا شعائرهم الدينية؛ حيث يرقصون وتتعالى أصواتهم بالغناء إمعاناً في استفزاز حميتنا وفي إذلالنا، وفي محاولة لفرض 'حق زمني' لهم في المسجد. وفي المقابل، تم منع الاستعدادات لرمضان وعدم السماح بإقامة المظلات الواقية من المطر والشمس في ساحات الحرم؛ كما يُحدد عدد المسموح لهم بدخول القدس بما لا يتجاوز عشرة آلاف شخص؛ في هجوم تعسفي استبدادي يستهدف منع حرية العبادة، هجوم زادت وتيرته ليضرب جوهر هويتنا ويقلق مضاجعنا.

تتعالى أصوات أبواق السير من حولي وكأنها تجدي نفعاً؛ فأبذل جهدي في تجاهلها، فيستحضرني مشهد صلاة التراويح في المسجد العمري الكبير في غزة، تحت بقايا قباب لم تتدمر بعد؛ يقفون في خشوع ماثلين بين يدي الله في غزة، صابرين محتسبين في مشهد يجسد أسمى آيات الإيمان. وبينما تنتظم حركة السير، تنهمر الأفكار شلالاً ينير طريقي؛ فتتردد عبرة أيوب عليه السلام في ابتلائه، وتستحضر الذاكرة يقين يعقوب عليه السلام في سورة يوسف لندرك معنى: 'فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ'.

أمام هذا الانهيار، وفي وسط الدمار وزهق أرواح الآلاف، يبقى اليقين بالله نوراً ساطعاً؛ يقينٌ بحكمة الله في التدبير، وبالبقاء والأمانة؛ حيث إن صمودهم في غزة والقدس، أي في أرض الرباط، هو قدرٌ إلهي لا يمحوه الترحيل، ولا ينال منه الموت أو بشاعة المجازر الدموية. وفي بيت المقدس، تتراءى صورة غزة هاشم ونسمع صدى التاريخ ينادينا: 'صبراً يا آل هاشم' (فآل ياسر هاشميون)؛ لأدرك أن غلبة الإيمان هي السلاح الأمضى في وجه منظومة الفساد. فالمرابطون الفلسطينيون هم حراس أمانة العهدة العمرية، موقنين بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾؛ فالغلبة في النهاية هي هذا الاستسلام لحكمة الله في التدبير، فلا غالب لأمره، وهو المستعان، وهو اللطيف الرحيم.

 أترقب انقلاب الإشارة الضوئية وأعدّ الثواني انتظاراً لها، فأشرد بأفكاري متأملاً فاحصاً ممحصاً في وضعنا الوجودي والاجتماعي والاقتصادي؛ فإذا بالتوتر يختفي تدريجياً وتذوب الهواجس التي أرقتني خلف هذا المقود. ومن بين زحام أطياف وجوه المارة في الشارع، يمر طيف يشبه والدي -رحمه الله-؛ فالحنين ينسل في صمت من بين الوجوه ليعيد لي ذاك السكون الذي عهدته بقربه. أراه بعين قلبي مائلاً إلى الاعتكاف المهيب على قراءة القرآن الكريم، وقد تدثر بعباءته الصوفية الوقورة؛ حيث كان يجلس في خشوع مطبق، يناجي ربه بيقين لا يعرف التزعزع، حتى غدت العباءة من متلازمات الصوم والصمود.إ

إنَّ هذه الاختناقات المرورية عند الحواجز ليست مجرد تأخيرٍ عابر، بل هي لحظات مضنية، تستنزفُ العمر وتفتكُ بالأعصاب. تجدُ نفسك وقد علقتَ في مأزقٍ خانق، بينما تواصلُ السيارةُ حركتها المتلعثمة، المتقطعة، وغير المنتظمة؛ إن تدفق السير في مجمله لم يتوقف كلياً، غير أن إحساسنا العربي بالحركة، وبذلك الإيقاع الذي يجسد روحانية البحر المتوسط في الانسياب، لا يستوعب هذا الانقطاع القسري والمستمر لمسار الطريق.

يجد المرء نفسه متسمراً في مكانه، يصارعُ من أجل حماية مساره؛ فالمسافة التي تُقطع عادةً في سبع دقائق، تستحيل إلى سبع وسبعين دقيقة من الضجيج الصاخب ونفاد الصبر الممزوج بالإحباط. فأجد نفسي كلما تباطأت السيارات أمامي، يتسلل إلى بالي تيار أفكار أنفذ عبره لأتأمل وأدرس وضعنا تحت الاحتلال، وأنمق الكلمات والفقرات التي تتحول إلى مقالاتي الشهرية؛ فلا أرمق المرآة الخلفية لأرقب الطريق فحسب، بل ونحن في شهر رمضان أسترجع ذكرياتي، أحاول سبر أغوار 'شهر الفرقان' بقالب إنشائي ولغة جزلة، والغوص خلف المعنى الظاهري للصيام والزحام؛ في محاولة لإعادة صياغة تحليلية لأثر 'الزمن المقدس' في علاقة الفرد بذاته، ومع الله، ومع المجتمع ريثما تعود الحركة فتهمر افكاري بغزارة.

إن هذا الشهر هو انصراف وتزهد عن المادة إلى خلوة روحية وتصالح ذاتي، يُعاد عبرها تجديد أواصر الصلة مع الله؛ فأهرب من ضجيج الواقع وأسرح بأفكاري في رمضان، وأعيد صياغتها إنشائياً.

في رمضان، يتداخل الليل بالنهار حتى يتلاشى الإحساس بالزمن الفيزيائي الرتيب ما بين صلاة التراويح، وقيام الليل، والاعتكاف في رحاب المساجد، وتراتيل القرآن الكريم. وتبعاً لهذا التحول الكياني، تتبدل الهوية البصرية للمدينة؛ فتنزاح الأزياء الأوروبية المعاصرة لتفسح المجال للزي العربي التقليدي، حيث يرتدي الرجال الجلابيات والدشادیش، ويتدثرون بتلك العباءات الدافئة —تماماً كما كان يفعل والدي— ليصلوا خاشعين ويسبحوا الخالق في إطار موروث، يناجونه سبحانه متوددين ومتقربين في الشهر الذي شهد نزول القرآن الكريم.

وتبعاً لهذا التحول، يتغير المشهد في القدس القديمة؛ حيث تزدان قناطرها وأزقتها بأسلاك كهربائية تنير درب المصلين نحو الأقصى، باستعمال رموز رمضان الهندسية من فوانيس وأشكال لنجوم وهلال مضاءة، جنباً إلى جنب مع 'لمبات' بلون العنبر والأحمر والأخضر؛ وهي ألوان ارتبطت رمزيتها بـ 'الزمن المقدس'. وحيث إنَّ 'رمضان كريم'، تكثر الولائم وتتكثف أواصر العلاقات الاجتماعية؛ فيجتمع أفراد العائلة يومياً حول مائدة الإفطار يرقبون أذان المغرب الذي يرافقه دوي 'مدفع رمضان' إيذاناً بانتهاء الصوم. وقلما يأكل المقدسيون وحدهم، فهو موسم تجديد الروابط الأسرية وصلة الرحم؛ من أعمام وعمات وخالات وأخوال، وأصدقاء ومعارف يجتمعون ليتشاركوا المائدة ويتزاوروا ليلاً؛ إذ إن هذا الانصهار الاجتماعي هو ما يحفظ لنا هويتنا ويجدد احساسنا بالانتماء.

انها رحلةٌ تبدأ بتجديد علاقة الفرد مع خالقه عبر نسك الزهد عن الطعام نهاراً، لكنها سرعان ما تمتد لتكون موسماً لترميم الروابط الإنسانية؛ فإذا بالاعتكاف الروحي يتوازى مع انفتاح اجتماعي كثيف، حيث تتأكد أواصر القربى، ويجتمع أفراد العائلة يومياً حول مائدة الإفطار يرقبون أذان المغرب، ويترقبون دوي 'مدفع رمضان' إيذاناً بتمام الصوم. وقلما يأكل الفرد وحيداً في هذا الشهر؛ فهو موسم 'صلة الرحم' بمعناها الأسمى، حيث تلتقي الأجيال وتجتمع النساء والرجال من الأعمام والأخوال والعمات والخالات والأصدقاء، ليعيدوا بناء جسور المودة التي أُنزل بها القرآن، محولين ليل المدينة إلى محفل للقربى والتراحم

فجأة توقف السير كلياً؛ فقد اعترض طريقنا حاجز عسكري مثير للاستفزاز والقلق. إنَّ هذه الاختناقات المرورية عند الحواجز ليست مجرد تأخيرٍ عابر، بل هي لحظات مضنية، تستنزفُ العمر وتفتكُ بالأعصاب. تجدُ نفسك وقد علقتَ في مأزقٍ خانق، بينما تواصلُ السيارةُ حركتها المتلعثمة، المتقطعة، وغير المنتظمة، ارتهاناً للمزاجية العسكرية في تفتيش كل مركبة، وفحص الهويات وتدقيق التصاريح. إن تدفق السير في مجمله لم يتوقف كلياً، غير أن إحساسنا العربي بالحركة، وبذلك الإيقاع الذي يجسد روحانية البحر المتوسط في الانسياب، لا يستوعب هذا الانقطاع القسري والمستمر لمسار الطريق. يجد المرء نفسه مسمّراً في مكانه، يصارعُ من أجل حماية مساره؛ فالمسافةُ التي تُقطع عادةً في سبع دقائق، تستحيل إلى سبع وسبعين دقيقة من الضجيج الصاخب ونفاد الصبر الممزوج بالإحباط. إن عبور الحاجز يمثل صدمةً عاطفية؛ لأنه يعيد إنتاج حالة العجز والاستلاب الفلسطيني أمام سطوة الاحتلال الإسرائيلي

وبانتظار الفرج، أعود إلى مقالتي عن رمضان: يسود الإحساس بالتوتر والرهبة في رمضان؛ حيث إنَّ الطقوس الاجتماعية التي تحيط بهذا الشهر باهظة الثمن، والعمل على شراء 'المونة' الضرورية يعتبر ضغطاً إضافياً على وضع الصائم. فلرمضان 'عجقة' يرافقها ازدحم بالطرقات، وانتظار طويل أمام المحلات التجارية لشراء الحاجيات وسط حشود الناس المتدافعة؛ مما يثير الشعور بالإزعاج والإرهاق والحصار. فلا مفر من أداء هذه الواجبات الاجتماعية المقدسة، ليتحول إحساس البهجة برمضان إلى إحساس بالعجز والقهر.

فإذا ما أضفنا فرائض الصيام وما يرافقها من تزهدٍ في الطعام والشراب، نستطيع بسهولة أن نتخيل حجم الضغوطات على المسلمين عامة في هذا الشهر؛ فما بالك ونحن نواجه القهر الوجودي تحت الاحتلال، وما يرافقه من مجازر، وعمليات ترحيل، وتدمير، وسرقة، وقتل، وزهق لأرواح البشر، واقتلاع للشجر في أرجاء الضفة الغربية؟ إنَّ هذا التداخل بين مشقة العبادة وقسوة الإبادة، وبين 'عجقة' الحياة المادية وضغوطها الباهظة، يجعل من كل لحظة انتظار خلف مقود السيارة رحلةً في عصف الأفكار والقلق على المصير."

"يتفاعل كل مسلم مع رهبة شهر رمضان حسب وضعه النفسي والاجتماعي والصحي؛ فبينما نجد من يحتفي به مستبشراً فرحاً، يجد في طقوسه الدينية الصارمة —وما تتطلبه من زهد ونسك— الراحة النفسية والطمأنينة الروحانية، متمتعاً بالمشاركة في الطقوس الاجتماعية بكل جزيئاتها؛ من زيارات وإقامة المآدب الرمضانية التي يحكمها 'بروتوكول' رسمي متعارف عليه اجتماعياً.

فيصبح لمائدة الإفطار مراسم لتقديم ألوان شتى من الطعام؛ تبدأ بتناول حبة التمر، يليها طبق الشوربة والمقبلات من سلطات ومقالي كالسمبوسك والكبة والفلافل المحشية بالبصل المُبهر، تتبعها أطباق اللحم والخضار بصورة محاشٍ أو يخانٍ، ومن ثم الحلوى الخاصة برمضان؛ لتصبح 'عجقة' تحضير الطعام واستقبال الضيوف وانتظار المدفع والصلاة حفلاً بهيجاً يترك أطيب الذكريات.

ومن ناحية أخرى، نجد آخرين مثقلين بتكاليفه الباهظة، وجلين من استقبال الضيوف، فيصبح الحفل واجباً ثقيلاً وأمراً مجبرين عليه. وعلى طرف النقيض، نجد منغمسين في الجانب الروحاني كلياً؛ فيعتزلون معتكفين، منهمكين بالصلاة، متزهدين عن الطعام والشراب، يجدون في رمضان منفذاً للتواصل مع الله. فينعكس رمضان بقدسيته وضغوطاته —كانقطاع عن فنجان القهوة أو السيجارة— بصورة متغايرة على الصعيد الانفعالي الفردي، تتفاوت بين الحفاوة والانشراح وبين الرهبة والوجل؛ حيث يتفاعل كل فرد بصورة لاواعية مع هذه التناقضات، تتأرجح به فيكبح جماحها بـ 'صبر جميل'." 

إنَّ الانقلاب الاجتماعي والديني في رمضان، وما يرافقه من طقوس وما تتطلبه من تحديات —كالامتناع عن الطعام والشراب ساعات وساعات، وتغيير النمط العادي للحياة والانتقال من 'الحياة الدنيوية' إلى 'الزمن المقدس'— ترافقه طقوس مهيبة تؤثر على كل مسلم بصورة فردية؛ فلا يمكن التعميم، حيث إنَّ كل شخص هو حالة خاصة ووضع نفسي مستقل، قد يختلف من لحظة لأخرى.

فتجد بعض الأشخاص يتوترون من انقلاب إيقاع حياتهم الروتينية، لتصبح الطقوس والشعائر الدينية ضغوطاً يتحملها المرء بصمت وهدوء تارة، وينوء ويثور من ثقل حملها وينفعل عاطفياً في اللحظة التالية. وفي المقابل، تجد من يستقبل شهر رمضان كصديق عزيز يحلُّ بالجوامع والمدينة وفي البيت فتحلُّ بركته؛ وهناك شخصية أخرى تجمع ما بين الزهد الروحاني وحب الآخرين في حركية اجتماعية، يصبح فيها الشهر الفضيل شهر الخير والمحبة.

ولا غرابة في هذا التأرجح العاطفي؛ فالفلسطينيون هم مجموعة أفراد في إطار وجداني عام، لكل فرد منهم حياته وتجاربه الخاصة، وهوية ذاتية هي نتاج تفاعله مع نفسه ومع الآخرين، في ظل إيمانه بوجود قوة عليا يحدس وجودها سليقياً.

فالفلسطيني ليس مجرد رمزٍ للبطولة والشجاعة والكفاح، بل هو وجود مادي، أي أنه إنسان؛ يحب ويكره، متسامح وناقم، بسيط السجية ومعقد، متقلب الأطوار ومسالم لين، وحاد الطبع وعنيف، وكريم النفس وأبيُّها وشحيح ذليل، بسيط متقشف ومتبهرج مولع بمظاهر الوجاهة، مثقف متنوّر وضيق الآفاق محدود البصيرة، وهادئ رزين ومتوتر الأعصاب سهل الاستفزاز سريع الغضب، رقيق الحاشية مفرط العاطفية، ومتجبر عنيد.

فلا عجبَ في تناقض الأحاسيس المضطرمة بين جوانحه؛ فالشخصية الذاتية لا تخرج عن كونها سلسلة متعاقبة من الأحاسيس المتناقضة. فالفلسطيني، مثل سائر أبناء البشر، إنسان؛ أي كائن معقد نلمح جوانبه الإنسانية، بخصالها ومناقبها، في شهر السلام.

«أقودُ سيارتي بتُؤَدةٍ وحَذَرٍ، وأنظرُ إلى اليمينِ واليسارِ، وأُدققُ النظرَ في المرايا العاكسةِ؛ تجنباً لأي حادثٍ غيرِ مُرتقبٍ. يتدفقُ السيرُ تارةً، ويتوقّفُ تارةً أخرى، وأشردُ في شلالٍ من الأفكارِ؛ أقلبُها في بالي وأستشعرُها في كياني، لأصوغَ مقالاتٍ هي شواهدُ على الحاضرِ الفلسطيني وصمودِ شعبِ الجبارين.