• 11 نيسان 2026
  • أقلام مقدسية

بقلم :داود كُتّاب*

 نادراً ما تُحقق المناطق العازلة، إن لم يكن أبداً، السلام والأمن اللذين يعد بهما أنصارها. فبعد انهيار الاتحاد السوفيتي، نُظر إلى أوكرانيا على أنها منطقة محايدة بين روسيا وحلف شمال الأطلسي. لكنها تحولت بدلاً من ذلك إلى منطقة صراع جيوسياسي متزايد الحِدّة، أعقبه حرب مفتوحة.

ارتكب رئيس الوزراء الفرنسي جورج كليمنصو نفس الخطأ عندما افترض أن الدول المستقلة حديثاً في وسط وشرق أوروبا ستكون بمثابة منطقة عازلة ضد توغل روسيا البلشفية. بل كانوا أول أهداف هتلر وانتهى بهم الأمر كجزء من حلف وارسو بعد هزيمته.

في عصر تستطيع فيه الصواريخ الباليستية والطائرات بدون طيار وغيرها من المقذوفات ضرب الأهداف الاستراتيجية البعيدة بدقة متزايدة، فإن فكرة منطقة عازلة واقية ليست فقط خاطئة؛ إنها هراء.

يصر وزير الدفاع الإسرائيلي إسرائيل كاتس على ضرورة احتلال الجيش الإسرائيلي لجزء كبير من جنوب لبنان لحماية المقيمين في شمال إسرائيل. وقد تفاخر مؤخراً بأن القوات الإسرائيلية دمرت خمسة جسور على نهر الليطاني، على بعد حوالي 30 كيلومتراً (19 ميلاً) من الحدود اللبنانية الإسرائيلية، مما أدى إلى إنشاء منطقة عازلة ستبقى "حتى يصبح شمال إسرائيل آمناً".

لكن هذا الاحتلال، الذي لا شك أنه يُعد انتهاكاً للقانون الدولي، من غير المرجح أن يحقق أهدافه المعلنة. بل على العكس، سيجعل الإسرائيليين، وخاصة الجنود الإسرائيليين، أكثر عرضة للخطر.

بعد أهوال الحرب العالمية الثانية، اتفق المجتمع الدولي على أنه لا يجوز لأي دولة الاستيلاء على أراضي دول أخرى بالقوة. وقد وردت عبارة "عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالحرب" بشكل بارز في ديباجة قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 242، الذي دعا إلى انسحاب القوات المسلحة الإسرائيلية من الأراضي المحتلة في يونيو/حزيران 1967. ومع ذلك، في غزة وجنوب لبنان، يراقب العالم بأسره قيام إسرائيل مع سبق الإصرار وهي تستولي على مساحات شاسعة من الأراضي اللبنانية بالقوة.

في غزة، إحدى أكثر المناطق اكتظاظاً بالسكان في العالم، يحتل الجيش الإسرائيلي أكثر من 50% من أراضيها، وفي لبنان، تسعى إسرائيل إلى احتلالٍ غير محدد المدة لمساحة تتراوح بين 850 و1060 كيلومتراً مربعاً، أي ما يقارب 10% من إجمالي مساحة البلاد. أما في الضفة الغربية، فتُصرّ إسرائيل منذ زمن طويل على ضرورة الإبقاء على غور الأردن غرب النهر كمنطقة عازلة في أي اتفاق سلام.

لكن مع وصول الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية إلى تل أبيب وبيت شيمش وحيفا وديمونا، ووصول الطائرات المسيّرة الأوكرانية إلى عمق الأراضي الروسية، فقد انهارت مبررات هذه المطالب. علاوة على ذلك، فإن سعي إسرائيل لاحتلال المزيد من الأراضي يُعرّض المدنيين المحليين لخطر التحول إلى أهداف في الخطوط الأمامية. بل إن بعض النقاد يحذرون من ديناميكية يصبح فيها المدنيون بمثابة دروع بشرية، مما سيوفر مكاسب سياسية وإعلامية هائلة للدعاية الإسرائيلية. في الوقت نفسه، باحتلال جنوب لبنان، سيصبح الجنود الإسرائيليون أنفسهم أقرب إلى مقاتلي حزب الله، وبالتالي أكثر عرضة للخطر.

بيّن عالم السياسة دومينيك تيرني، نادراً ما تنتصر القوة العسكرية وحدها في الحروب، لأن الصراعات الحديثة هي صراعات سياسية واجتماعية وأيديولوجية، وليست مجرد معارك تكتيكية. ويوضح قائلاً: "مع أن الجيش المهيمن قادر على كسب المعارك، وتأمين الأراضي، وتدمير القوات التقليدية، إلا أنه غالباً ما يفشل في إرساء سلام دائم أو تحقيق الأهداف السياسية - المعروفة بـ'كسب الحرب' - لأنه لا يستطيع معالجة المشكلات الأساسية كغياب الشرعية، أو التمرد، أو عدم الاستقرار السياسي المتجذر".

وبعيداً عن الاعتراف بهذه القيود، أعلنت إسرائيل بالفعل أنها ستمنع عودة المواطنين اللبنانيين الذين فروا قبل بدء الغزو البري الأخير. هذه السياسة ليست بجديدة. فمنذ عام 1948، حرمت إسرائيل 750 ألف فلسطيني وذريتهم من حق العودة، على الرغم من قرارات الأمم المتحدة العديدة التي تحثها على توفير هذا الخيار.

بدلاً من الاستيلاء على المزيد من الأراضي حيث سيظل المعارضون موجودين، فإن الاستراتيجية الأكثر حكمة هي السعي إلى تسوية سياسية. توجد حلول بالفعل لكل من غزة ولبنان، لكن يبدو أن السياسيين الإسرائيليين، وخاصةً رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وخلفائه في الحكومة، أكثر اهتماماً بالحفاظ على الوضع الراهن من إحراز تقدم حقيقي.

كما أشار الاستراتيجي الصيني القديم سون تزو منذ زمن بعيد، فإن شعباً مشرداً قد يعود ويلحق الضرر بالعدو أو مجرد الاستيلاء على أرضه ليس أفضل من الفشل في هزيمته. بل على العكس، قد يعود المشردون بعزيمة أكبر، أو قد يكون ثمن الحفاظ على الأرض الجديدة باهظاً.

وفي بيئة تنافسية عدائية، تستطيع الجهة المنسحبة إعادة تنظيم صفوفها، وتكييف تكتيكاتها، واكتساب تقنيات جديدة، وفي النهاية شنّ هجوم مضاد. فالمعركة لا تنتهي أبدًا.

لكن لا حاجة إلى حكمة قديمة لفهم أن على الدول أن تسعى إلى حل التوترات الكامنة بدلًا من محاولة إنشاء مناطق عازلة. فالسيطرة على الأراضي لا تمحو الطرف الآخر. وقد عرض معارضو حزب الله في لبنان والقادة الفلسطينيون المعارضون لحماس التعاون مع إسرائيل، لكن إسرائيل رفضت بشدة. ويبدو أن قادتها الحاليين يعتقدون أن الصراع الدائم والاحتلال يخدمان مصالحهم بشكل أفضل من التنازلات السياسية غير الشعبية التي يتطلبها السلام.

لكن السلام هو الخيار المستدام الوحيد. لا يمكن تحقيق الأمن في غزة ولبنان من خلال المناطق العازلة، بل فقط من خلال تسوية سياسية تعالج الأسباب الجذرية للصراع. يتطلب ذلك احترام القانون الدولي، والمساءلة عن الأفعال التي تؤثر على المدنيين من جميع الأطراف، واستعداداً حقيقيّاً للتفاوض. أما البديل فهو دوامات لا تنتهي في بيئة تنافسية عدائية، يستطيع العدو المنسحب إعادة تنظيم صفوفه، وتكييف تكتيكاته، واكتساب تقنيات جديدة، وفي النهاية شن هجوم مضاد. فالمعركة لا تنتهي أبدًا.

*داود كُتّاب أستاذ سابق للصحافة في جامعة برينستون، هو مؤلف كتاب "دولة فلسطين الآن".

عن موقع  Project Syndicate