• 3 آيار 2026
  • أقلام مقدسية

 

                                                                  

 

بقلمالمحامي حسن عبادي 

بدأت مشواري التواصليّ مع أسرانا الأحرار رغم عتمة السجون في شهر حزيران 2019 (مبادرة شخصيّة تطوعيّة، بعيداً عن أيّ أنجزة و/ أو مؤسسّة)؛ ودوّنت على صفحتي انطباعاتي الأوليّة بعد كلّ زيارة؛ 

أواكب حرائر الدامون المنسيّات خلف القضبان وأصغي لأحلامهن بالحريّة، وأدوّن بعضاً من آلامهن ومعاناتهن.

أتصل من بوابة الدامون مباشرة بأهالي من تم قمعهن والاعتداء عليهن، ليعرفوا الحقيقة كاملة من مصدر أوّل دون تأويل، وبعدها أتصل بأهالي من التقيتهنّ، وأوصل بعدها رسائل باقي الأسيرات؛  

حاولت قدر المستطاع إيصال تلك الأوجاع والصرخات لكلّ حدب وصوب عبر "التحالف الأوروبي لمناصرة أسرى فلسطين"، وعبر برنامج نافذة الحريّة/ الإعلاميّة رزان القواسمة، وعبر الإعلام خارج الوطن، بعيداً عن الشجب والاستنكار وتحميل المسؤولية المؤسّساتي المقيت، وهذا أضعف الإيمان؛

وزادت قناعتي أن صمتنا عارُنا.

عقّب الأسير المحرّر قتيبة مسلم: "ربنا يحميكن يا من تمثلن الوطن بكل شموخ رغم القيد. وهذه العصي المجنونة على أجسادكن الطاهرة تعري صمت سكان المقبرة".

وعقّب فؤاد خفش: "أنت تكتب التاريخ. بوركت".

وعقّب عبد الله خضر رصرص: "الله يهونها عليكم هو مولاكم نعم المولى ونعم النصير... خذلوكم وأي خذلان... لا نقول إلا حسبنا الله ونعم الوكيل بكل متخاذل... ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم... دعاؤنا لكم لا ينقطع... ففي هذا البحر من الخذلان لم يبق لنا سوا الدعاء لكم".

 وعقّبت أم عبد الله السيد (زوجة الأسير عباس السيد): "لا حول ولا قوه الا بالله العلي العظيم، ربنا يفرجها ويهونها يا رب، والله أصحاب القرار بهالوطن خذلوكم وما إلنا ولكم إلا الله... الله يعطيك ألف عافية أستاذنا ويجزيك الخير يا رب".

وعقّب الشاعر عبد القادر مراعبة: "بوركت جهودك الطيبة صديقنا العزيز. نعم الرجل أنت في زمن الضياع".

وعقّب الأسيرة المحرّرة إسلام حلبي: "عيووووش العسل... صوتها خرافي وبتقلد كثير مغنيين عرب وهنود وأجانب ونغشه كثير وصاحبة نكتة... العيشة معها حلوة. الله يفرج عنها وعن ماما وجميع البنات والشباب. يعطيك العافية أستاذ حسن ما قصرت".

وعقّبت أم يوسف حمد: "يا الله كل أسيرة داخل المعتقل ليست رقما، بل قصة وجع ولكل قصة وجع مختلف، فك الله بالعز قيدكن جميعا. ربنا يجزيك كل خير أستاذ حسن سفير الأسرى. صوت الأسرى والأسيرات".

وعقّبت الصديقة فاطمة جوهر من الشتات: "اللهم فرج هم الاسري والاسيرات عاجلا غير اجل واجز الاستاذ المناضل المحامي العبادي خير الجزاء عن وقوفه ونشر اخبارهم واطلاع العالم على احوالهم وما يتعرضون له هذا الاستاذ وحده يقوم بعمل نقابة كاملة اسال الله ان يصل صوته للعام ويجني ثمر تعبه وان يجزيه الله خير الجزاء في الدنيا والاخرة".

 

"أخت الزنكلوني"

التقيت صباح يوم الاثنين 15 كانون أول 2025 في سجن الدامون في أعالي الكرمل مرّة أخرى بالأسيرة ولاء خالد فوزي طنجي (مواليد 30.07.1996، ابنة مخيم بلاطة).

قبل التحية قالت بانفعال: رِجعوا القمعات! غير قمعة 5 الشهر، يوم الأحد (14.12) ع الأربعة الفجر، كنت أصلّي، قمعونا أنا وشيماء [1] (شيماء دكتورة القلوب ومش بس دكتورة أسنان) وفاطمة، غمّضوا عينينا وكلبشونا لورا وطلّعونا ع الساحة وركّعونا، كمان بنات غرفة 4 طلّعوهن معنا، كمّلت الصلاة بالساحة وأنا مكلبشة لورا.

ع العصر كمان قمعة؛ ضربوا الصوتيّة وخشّوا على غرفة 5 وغرفة 2، ضربوا إحدى الصبايا (خبّرت أهلها مباشرة بعد اللقاء) وشبحوها، مع ضرب، كلبشوهن لورا وطلّعوهن منزّلات روسهن وبدون تغميض وصوّروهن. رجّعوهن عادي ما عدا أسيرة واحدة منزّلين راسها لتحت بالقوّة.

مبارح كنت (خوليا) وإجى واحد من برا (حكولي من الكنيست؟) ومعه ميزان وفحص شو بعطونا أكل وقدّيش وزن كلّ وجبة.

نشكر الله، بعد ما أنت نشرت عدّة مرّات عن التفتيش العاري وقّفوه. هذا كان أصعب شي علينا.

قلقة على شريحة جوّالها. عليها كل شي.

أوصلتها سلامات حنين جابر وسيرين صعيدي وزهراء لكلّ صبايا الدامون. 

رسالتها لأهلها: "برضو ولاء بتسلّم عليكم".

ليش الرواتب مقطوعة؟

سلّموا لي على أخوي الأسير محمد الزنكلوني، عايشة بالحياة عشانو. بتفاخر فيه وبحبّ ينادوني "أخت الزنكلوني". 

 تنهّدت فجأة وقالت: "هاي القمعة الخمسطاش بهاي الحبسِة". رشّوا غاز بمنخاري وعينّي. 

صرنا 50 أسيرة؛ وصلت آمنة سويلم وبنتها آيات.

حين افترقنا قالت مودّعة "إحكي للوطن يدعيلنا... صحابوا خذلونا".

"اشتقت أسمع- يا ماما"

بعد لقائي بولاء، أطلّت الأسيرة إيمان إبراهيم عبد الله الشوامرة [2] (مواليد 01.03.1979)، من قرية جيت/ محافظة قلقيلية لألتقيها للمرّة الثالثة.

أوصلتها بداية رسالة ابنها يوسف (احكيلها انه يوسف مشتاقلك كثير وبسلم عليك وع طول بسأل عنّك وبدعيلك وكل أموره تمام الصحيّة والدراسيّة) وأخبار الصفقة المقترحة بالنسبة لملفها القضائي وزوجها وعائلتها.

حدّثتني عن وضع الدامون ومستجدّاته؛ إيمان في غرفة 2 برفقة ياسمين شعبان وبنان أبو الهيجا وآيات زياد سويلم (أسيرة جديدة برفقة والدتها آمنة عبود سويلم)، التنقلّات مستمرة كل الوقت.

الوضع صعب جداً، مبارح قمعونا مرتين مع قنابل صوتيّة، ورشّوا الغاز مباشرة على وجوه مجموعة من الصبايا، ضرب مبرح بالعصي والهراوات، وبالبسطار على ظهور بعض الصبايا كذلك. 

صار في غيارات داخليّة. 

صرت ماخذه 12 "دوخ" (مخالفة يتبعها عقاب؛ بس من الغرفة ع الحمام لدقائق معدودة).

برد كثير كثير ونقص بالبطانيات والأواعي الشتوية.

 طلبت إيصال سلاماتها لزوجها ولأهلها ولابنها يوسف (يا حبيبي اشتقتلك كثير كثير، بحبّك ودير بالك على دراستك وعلى أبوك. اشتقت أسمع "يا ماما". كل منيح وتدفّى منيح وأهم شي دراستك) وسلفاتها.

 حين افترقنا قالت: "إحكي ليوسف: هانت، هانت".

"أهم شي بالدنيا ولادي"

بعيد لقائي بولاء وإيمان، التقيت للمرّة الثانية بالأسيرة عائشة عوض محمد العبيات [3] (مواليد 24.02.1997) من قرية العبيات/ بيت لحم، عطا (7 سنوات) وكرم (5 سنوات)، رهن الاعتقال منذ 20.06.2025. 

 عائشة بغرفة 9 (برفقة فاطمة منصور، دلال الحلبي [4]، هناء بيدق، منال بدرساوي، شيماء خازم وشيرين الحمامرة).

انقمعنا عدّة مرّات، مع ضرب وحشي ورش غاز. قمعة 05.12 الكبيرة ومبارح قمعتين. أنا وكمان صبيّة رشّوا الغاز بعينينا مباشرة. بطحونا ع الأرض وبلّشوا ضرب بالبسطار ع ظهورنا، كلبشات بلاستيك موجعة من ورا. 3 قنابل قبل ومبارح من حسن حظّنا قنبلة واحدة. هناك صبيّة أغمي عليها وضغطها نزِل والعلاج: اشربي ميّة وارفعي إجريك. ما رضيوا فحوصات طبيّة أبداً. صبيّة أخرى مجروحة إيديها من يوم الاعتقال وما عالجوها، وأخرى إيديها وإجرها ملتويات من يوم القمعة.

 أوصلتها سلامات العائلة، وسناء حامل بالشهر السادس، أبوك وافق إنك انت وإياه تتعلّموا سواقة، والصاحبات... وولادها كرم وعطا.

وسلامات سيرين صعيدي وحنين جابر وزهراء لكلّ صبايا الدامون. 

طلبت إيصال سلاماتها للعائلة، وخاصة إسلام (زوجة أخيها؛ سلّم عليها وبدّي رسائل ولادي، كمان توصّلك إياها صوت)، وولادها (بس أطلع بدّي أعلمهم سباحة وآخذهم رحلة)، وأخواتها وجيزانهن (دعاء وسناء ومريم وخديجة) وأخوتها (عبد الله وحسين) وولادهم، وأبوها وإمها.  

طلبت إيصال سلامات الصبايا لأهاليهن؛ فرح أبو عياش، إسراء خمايسة، دلال حلبي[4]، هناء بيدق، شيرين الحمامرة، ولين وزوز.

حين افترقنا قالت دامعة: "أهم شي بالدنيا ولادي".

لكُنّ عزيزاتي ولاء وإيمان وعائشة أحلى التحيّات، والحريّة لكُنّ ولجميع حرائر الدامون.

الدامون/ حيفا كانون أول 2025      

[1] تحررت شيماء أبو غالي يوم 26.04.2026         

[2] تحررت إيمان الشوامرة   يوم 01.01.2026         

[3] تحررت عائشة العبيات   يوم 19.02.2026         

[4] تحررت دلال الحلبي   يوم 15.01.2026