• 6 آيار 2026
  • مقدسيات

 

 القدس - أخبار البلد - كتب نافذ عسيلة 

 

في ظل التحديات المتسارعة التي تواجه مدينة القدس، تبرز الحاجة الى مبادرات فكرية وعملية تعيد تسليط الضوء على اهمية الحفاظ على هويتها ودعم صمود اهلها. وفي هذا السياق، تأتي المقالات التي تتناول الابعاد التاريخية والثقافية والمؤسسية للقدس كنافذة لفهم أعمق للواقع، ومحاولة لبناء رؤية متكاملة تجمع بين الاصالة والعمل المستدام، بما يعزز حضور المدينة في الوعي الجماعي ويصون مكانتها عبر الزمن.

نشر الامين العام للجنة الملكية لشؤون القدس السيد عبد الله كنعان مقالة في صحيفة الراي الاردنية  تناول فيها بإسهاب الوقفية الهاشمية للقدس، مخصصا مساحة للحديث عن ركائز الفكر الهاشمي لدى صاحب السمو الامير الحسن بن طلال، وقد اعيد نشرها في شبكة اخبار البلد“ المقدسية. 

وعند قراءة هذا المقال يتولد لدي شعور عميق بالأهمية والمسؤولية، اذ لا يقتصر على طرح نظري، بل يصل الى وجدان القارئ ويستحضر مكانة القدس في الوعي والضمير. وقد عقبت على المقالة بان هذا الطرح يكتسب اهمية خاصة عند قراءته من منظور ثقافي اجتماعي، لأنه يكشف عن بنية عميقة تتداخل فيها الهوية مع الدين والسياسة في صورة واحدة حية ومؤثرة. كما يوضح كيف يتحول الوقف من فكرة اقتصادية الى ممارسة انسانية نابضة تعبر عن التضامن والاستمرارية، وتعيد ترسيخ القيم في نفوس الاجيال بروح من الانتماء والوفاء. 

كما ينجح النص في تقديم الفكر الهاشمي كإطار حي يجمع بين عبق التاريخ ونبض الحاضر، حيث نشعر بان مفاهيم الوصاية والرعاية ليست مجرد عناوين، بل ممارسات حقيقية تحمل في طياتها بعدا انسانيا صادقا، وتترجم الى شبكات دعم تبعث الطمأنينة والامل. ومن هذه الزاوية تبدو الوقفية الهاشمية كجسر يربط الناس ببعضهم البعض، ويعزز روح المشاركة والمسؤولية، في مشهد يعكس تماسك المجتمع وحرصه على قضاياه المصيرية.

وما يمنح المقال دفئا خاصا هو هذا التركيز على البعد التشاركي، حيث لا يقتصر الدور على المؤسسات الرسمية، بل يمتد ليشمل مختلف فئات المجتمع، في صورة تعكس حيوية المجتمع المقدسي وقدرته على التفاعل والتجدد. وهذا الطرح يفتح بابا للشعور بالأمل، بإمكانية بناء اشكال جديدة من التضامن تقوم على الوعي والتنظيم، وتمنح الناس دورا فاعلا في صناعة واقعهم.

كما يثير النص احساسا بأهمية الذاكرة، حين يلفت الانتباه الى ضرورة توثيق التجربة الوقفية المقدسية، وكأنها دعوة للحفاظ على الحكاية والانتماء في وجه التحديات. وهذا يمنح الاجيال القادمة شعورا بالامتداد والارتباط، ويجعل من الهوية شيئا معيشا لا مجرد فكرة.

في مجمله، يترك المقال اثرا انسانيا عميقا، ويعزز القناعة بان حماية الهوية لا تتحقق بالكلمات فقط، بل بالفعل اليومي والعمل المستمر. كما يبعث شعورا بالثقة بان هذه المبادرات قادرة على النمو والتوسع، خاصة مع توظيف وسائل حديثة تعزز الشفافية وتقوي علاقة المجتمع بها، لتبقى القدس حاضرة في القلب والفعل معا.

وفي ختام هذا الطرح، يتضح ان مثل هذه المبادرات لا تمثل مجرد استجابة ظرفية، بل تعبيرا صادقا عن التزام مستمر تجاه القدس وهويتها. فهي تعزز روح المسؤولية المشتركة وتفتح المجال امام عمل جماعي أكثر وعيا وتنظيما، بما يسهم في دعم صمود اهلها وترسيخ حضورها في الوجدان. ومن هنا تبقى الحاجة قائمة الى مواصلة هذا النهج وتطويره، ليبقى الاثر حيا ومتجددا، يعكس عمق الانتماء ويحول القيم الى واقع ملموس.