• 17 تشرين أول 2026
  • مقدسيات

 

 

بقلم : مالك زبلح*

حين أتأمل واقع القدس اليوم، وفاعلية مؤسسات مجتمعها المدني ومبادراتها المجتمعية، أعود بالذاكرة إلى بدايات جائحة كورونا. كانت المدينة خائفة أمام وباء مجهول، والأسئلة أكبر من الإمكانات، لكن مؤسسات وأفراداً وناشطين جمعوا جهودهم حول احتياجات الناس، وبرزت مبادرة «التجمع المقدسي لمواجهة فيروس كورونا»، الذي أتاحت له شركة «باديكو» استخدام فندق «سان جورج» مجاناً كمقر للحجر الصحي، ولاستقبال الطلبة العائدين من الخارج وتنظيم إقامتهم ورعايتهم.

رأيت في التجربة قدرة المجتمع المقدسي على تنظيم شؤونه وتحمّل مسؤوليات تتجاوز العمل الأهلي المعتاد. التقت جهود المؤسسات والمتطوعين بمساهمة من القطاع الخاص، وتحولت حاجة صحية عاجلة إلى مسؤولية مشتركة، في مدينة لا يملك مجتمعها الفلسطيني سيادة على شروط حياته. كان الأمل ملموساً في تعاون ترك أثراً مباشراً في حياة الناس.
أستعيد التجربة بعد سنوات كثيفة الأحداث، من موقع المتابع لنبض القدس والعامل في شؤونها الثقافية والمجتمعية، محاولاً فهم ما تغيّر في قدرتنا على المبادرة والاستمرار. حيث ما زالت المؤسسات تعمل، لكن تأمين بقائها يستغرق جهداً متزايداً، ويضيق الوقت المتاح لفهم احتياجات المدينة وتطوير الاستجابة لها.

انتهاء الأزمة وبقاء أثرها

منذ آذار 2020، لم يكن استئناف الحياة بعد كل توقف يعني تجاوز آثاره، فعاد الناس إلى أعمالهم بعد إغلاقات كورونا، لكن بعض دخلهم ظل مخصصاً لسداد ما تراكم خلالها. واستعادت المؤسسات نشاطها، فيما بقي عليها تعويض موارد فقدتها وتجديد صلتها بجمهور انقطع عنها.

وفي عام 2021، وضعت أحداث الشيخ جرّاح البيت وعلاقة أهله بالمدينة في قلب المواجهة. حينها حضرت الثقافة في الحكاية والصورة والأغنية، وفي التضامن حول البيوت المهددة بالإخلاء، وأظهرت تلك الأيام كيف يجمع الارتباط بالمكان الناس ويدفعهم إلى العمل معاً.

لكن مواصلة ما بدأ في لحظة المواجهة تحتاج إلى رعاية، حيث يعود المبادرون إلى أعمالهم والتزاماتهم، وتحتاج المؤسسات إلى موارد للمتابعة. وحين تأتي أزمة جديدة، يُطلب جهد إضافي من أشخاص لم يستعيدوا طاقتهم بعد.

ومنذ تشرين الأول 2023، ازدادت وطأة هذا التتابع. امتد أثر الحرب على غزة إلى رزق المقدسيين وحركتهم وشعورهم بالأمان، وتداخل مع اتساع الصراع في لبنان واليمن والمواجهات مع إيران. صار ما يحدث في الإقليم يؤثر في العمل والدراسة، وموعد لقاء، وقرار أسرة، وخطة مؤسسة.

وفي شباط 2026، أعقب الهجومَ الأميركي الإسرائيلي على إيران عدة إجراءاتٌ شملت إغلاق المدارس وأماكن العمل ومنع التجمعات، وامتد الاضطراب إلى المواقع المقدسة والمواسم الدينية والتجارية في القدس.

تختلف أسباب هذه الأحداث، لكن آثارها تتراكم. ينتهي الإغلاق، ويبقى قسط مؤجل أو بضاعة لم تُبع أو برنامج يحتاج إلى تمويل. قد تبدو المدينة وقد استعادت حركتها، بينما يعالج أهلها خسائر توقفها، وينشغلون بحماية ما استعادوه قبل تطويره.

مستقبل يُعاد ترتيبه

في شهادة نشرها موقع «وصلة» في 19 نيسان 2026 تحدث أحمد دنديس، الذي يدير محل ألعاب أطفال عند مدخل باب العامود توارثته عائلته، عن بضاعة اشتراها بخمسة وعشرين ألف دولار بقيت مكدسة دون بيع. كان ينتظر رمضان لإنعاش تجارته، لكن الموسم تعطل، واتجه أفراد من عائلته إلى وظائف بأجر في القدس الغربية.

تبقى البضاعة في المحل، بينما تحتاج الأسرة إلى دخل. ويصبح البحث عن عمل آخر مفهوماً، فالانتظار له كلفة، وموعد عودة الحركة مجهول. لكن هذا الانتقال قد يقلل الوقت والخبرة المتاحين للمحل، وربما يجعل الرجوع إليه أصعب. ومع طول الأزمة، قد يستقر الحل المؤقت مساراً يعيد تشكيل مستقبل الأسرة.

وفيما تنشغل الأسر بهذه الأعباء، تستمر سياسات طويلة المدى. ففي الخطط الخماسية الإسرائيلية للقدس الشرقية، من خطة 2018–2023 إلى خطة 2024–2028، يحتل التعليم والتأهيل والعمل موقعاً أساسياً. وتكشف متابعة رسمية للقرار الحكومي 880 توسعاً في اعتماد المنهج الإسرائيلي، ونقاشاً لمسارات دمج معلمين مقدسيين داخل المؤسسات الإسرائيلية.
تدخل هذه السياسات إلى أسئلة الطالب والخريج: أين يدرس؟ ومن يعترف بشهادته؟ وازدادت أهميتها مع إقرار قانون في كانون الثاني 2026 يقيّد توظيف حاملي الشهادات الأكاديمية الفلسطينية في جهاز التعليم الخاضع للقانون الإسرائيلي، مع أحكام انتقالية واستثناءات تختلف معها أوضاع الخريجين والعاملين.

قد يعني تغير شروط التوظيف تأهيلاً إضافياً ونفقات ووقتاً أطول قبل الحصول على دخل. ويصعب الاختيار حين تكون موارد الأسرة مستهلكة في أزمات سابقة. ومن هنا أفهم معضلة الاعتماد في القدس: يحتاج الناس إلى دخل وخدمات، فيما تتحكم المؤسسات الإسرائيلية بجوانب واسعة من إتاحتها. ولا يمكن قراءة تعاملهم معها بمعزل عن الحاجة، أو اتخاذه مقياساً لانتمائهم. الأجدر بالانتباه كيف تدفعهم أعباء الحاضر إلى مستقبل قد يبتعد عما أرادوه.

الحيز العام وتراجع فرص اللقاء

يمنح الدرج في باب العامود المارّ فرصة للبقاء دون موعد أو كلفة شراء. فقد تتحول تحية إلى حديث، وانتظار صديق إلى لقاء بآخر. بهذه التفاصيل تتجدد معرفة الناس ببعضهم، وفي نيسان 2021، منعت الحواجز الحديدية التي نصبتها الشرطة الإسرائيلية الجلوس والتجمع على المدرجات. بقي الباب والدرج، لكن استعمالهما الاجتماعي خضع للمنع. فالعبور السريع يمنح تجربة مختلفة عن الجلوس وتبادل الأخبار.

حين يُقيَّد الوصول أو البقاء، يحتاج اللقاء إلى ترتيب إضافي: اختيار الوقت والطريق والبديل. قد يحافظ الأصدقاء على موعدهم، لكن المصادفات يصعب تعويضها بالتنسيق. فيها يُسأل عن مريض، ويُسمع خبر غائب، وتُستعاد صلة قديمة، وقد يستمر المقدسي في الحضور إلى المدينة، بينما تقل فرص اللقاء التي تمنحه الألفة. يقضي حاجته ويمضي، ويؤجل الجلوس. ومع تكرار التأجيل، تتباعد الأحاديث وتقل معرفة الناس بتفاصيل حياة بعضهم. تمتد كلفة القيود إلى العلاقات، حين يصبح تجديدها محتاجاً إلى جهد قد لا يتسع له اليوم.

ما لا تُظهره صور الفعالية

يظهر الإنهاك في العمل الثقافي أحياناً خلف نشاط ناجح. يُنفَّذ البرنامج وتُنشر الصور، فيما يبقى خارجها ما استغرقه التنفيذ: ترتيبات تغيرت، ونفقات احتاجت إلى تغطية، ومهام إضافية حملها الفريق. تنتهي الفعالية، وتبقى أعباء ترافق الاستعداد لما بعدها، كما توضح تجربة المكتبة العلمية هذه الكلفة. ففي التاسع من شباط 2025، داهمت الشرطة الإسرائيلية فرعيها، واعتقلت محمود منى وابن أخيه أحمد، وصادرت كتباً. وبعد الإفراج عنهما، استمر منعهما من دخولها مؤقتاً، فتولى أفراد آخرون من العائلة تشغيلها، وتعاملوا مع كتب أُعيد بعضها متضرراً. وجاء قراء للتضامن، ووصف محمود دعمهم بأنه مصدر قوة للعائلة.
استند الاستمرار إلى أشخاص عوّضوا الغياب وعلاقة بالجمهور بُنيت عبر سنوات. يعود القارئ إلى كتاب وحديث وأشخاص يعرفهم، وتصبح المكتبة جزءاً من حياته. واستعادة هذا الانتظام تحتاج إلى معالجة الضرر والمحافظة على صلة الناس بالمكان.
ومن تجربتي، أرى ضرورة التمييز بين تنفيذ النشاط وقدرة المؤسسة على تطويره. قد تنجح في برنامج وتؤجل فكرة جديدة، وتحافظ على مكانها وتقلص ما تقدمه، ويعوّض العاملون نقص الموارد بجهد يصعب تكراره. عدد الفعاليات يوضح المنجز، لكنه لا يكشف ما اضطروا إلى تأجيله، ولا يكفي عدد المشاركين للحكم على اهتمام الناس. قد يرغب شخص في الحضور، ثم ينتهي يومه دون طاقة للخروج. تتداخل الحالة النفسية والمزاج العام مع كلفة التنقل والعمل والتزامات الأسرة. يحتاج الجمهور إلى شروط للمشاركة، والمنظمون إلى شروط للعمل. وقد يظهر الإنهاك في برنامج لم يُطوَّر أو تواصل لم يُتابَع، قبل ظهوره في باب يُغلق.

وتساعد ملاحظة هذه العلامات على فهم ما تحتاج إليه المؤسسة قبل تعثرها. فقد يحفظ دعم مستمر خبرة فريق وعلاقته بالجمهور، ويتيح له الانتقال من تأمين انعقاد النشاط إلى التفكير في قيمته وما يتركه لدى المشاركين.

ما يحتاجه الأمل كي يبقى

تبدو المسافة واسعة بين مكانة القدس في الخطاب وما يصل إلى أهلها من إسناد. تُمنح ألقاباً وتُقام باسمها احتفالات، بينما تحتاج المؤسسات إلى مورد مستقر، والعاملون إلى أجر، والمبادرات إلى مكان. تُقاس قيمة الاهتمام بما يتركه بعد المناسبة: مؤسسة أقوى، أو فرصة لشاب، أو مساحة للقاء.

أشعر أحياناً أن تعب القدس يتداخل مع العزلة وإحساس باليتم، حين تتكاثر الكلمات ويقل من يتقاسم أعباءها. ومع ذلك، أعرف أن القدرة التي ظهرت في التجمع المقدسي ما زالت حاضرة، وتحتاج إلى إسناد يستمر بعد الطارئ.

من هنا أفهم «تربية الأمل»: عبر مساندة مؤسسة قبل استنفاد مواردها، وتقدير العامل وأجره، وإتاحة المشاركة للجمهور، والاعتراف بالتعب وتخفيفه، كي يبقى وقت للتفكير والتجريب واللقاء. 

في تجربة التجمع المقدسي، وجد الناس من يتقاسم معهم مسؤولية الاستجابة لحاجة عاجلة. وتحتاج القدس اليوم إلى أن يمتد هذا التعاون إلى أيامها العادية، ليجد أهلها عملاً يبنون عليه، ومكاناً يحتضن مبادراتهم، ووقتاً يلتقون فيه ويسمعون بعضهم بعضاً. هكذا يبقى الأمل حيّاً: حين تجد الفكرة فرصة لتتحقق، والجهود من يساندها، ويشعر الناس أنهم لا يحملون كلفة البقاء وحدهم.

 

* كاتب وباحث وفنان بصري مقدسي، يهتم بالسياسات الثقافية في القدس.