- 29 أيلول 2026
- نبض إيلياء
تشهد مدينة القدس الكثير من التحولات التاريخية المتسارعة التي يصعب متابعتها لكثرتها والتي من شأنها أن تصقل شكل المدينة وطبيعتها في المستقبل القريب .
فلقد بدا هذا التغير الجذري في إقدام اسرائيل على إغلاق جميع مقرات منظمة الامم المتحدة، ومن أجل استكمال مسلسل المحو المقصود قامت وتقوم بالاستيلاء على تلك المقار والأراضي والعقارات الأممية بهدف تحويلها لاحقا لاهداف تخدم مصلحتها في تهويد المدينة، وقد نجحت بذلك وسط صمت خطير ومريب من قبل المجتمع الدولي وأعضاء الأمم المتحدة.
ما علينا
المهم ، انه بعد الأمم المتحدة ومنظماتها جاء دور التواجد الدبلوماسي في القدس ومظهره الأكثر وضوحا هي القنصليات ، فبعد أن تنازلت الولايات المتحدة الأمريكية من تلقاء نفسها عن قنصليتها التاريخية في المدينة ارضاء لاسرائيل ، لتحل محلها السفارة الأمريكية تأكيدا أمريكيا على أن القدس هي عاصمة إسرائيل ، بدأت الحكومة الإسرائيلية بتضيق الخناق على القنصليات الاخرى ، فهذه القنصلية الاسبانية تعيش حصارا مشددا عليها ، وشلل في خدماتها بسبب موقفها الداعم للفلسطينيين، ورحل الدبلوماسيون وجاء دور القنصلية البريطانية صاحبة الفضل الاكبر في اقامة دولة اسرائيل والمسؤولة عن كل الكوارث التي حلت بالشعب الفلسطيني لتغلقها إسرائيل وتمنح الدبلوماسيين مهلة ثلاثين يوما لمغادرة اسرائيل ، بسبب تصريح مطاطي حول فرض قيود على الصادرات القادمة من المستوطنات .
أما بقية القنصليات الفرنسية والايطالية واليونانية وتركية قررت من تلقاء نفسها الانطواء على نفسها خوفا من البطش الاسرائيلي الذي لم يعد يميز بين دولة صديقة دائمة لإسرائيل وهذا حال كل الدول الأوروبية، وبين دول تحاول ان يكون عادلة في تعاملها مع القضية الفلسطينية ، ولكن هذا لم يشفع لا لتلك الدول ولا لغيرها أمام الإصرار الإسرائيلي بأن تكون القدس مدينة خالية من أي تواجد دبلوماسي دولي إلا إذا كان وجودا على شكل سفارات يعترف بالقدس عاصمة يهودية، وتأكيدا على أن القسم الشرقية من المدينة المقدسة ما هو إلا حي فقير من أحيائها .
حتى الكنائس المسيحية التي كانت تعامل أيام " تيدي كوليك" أول رئيس بلدية القدس بعد احتلالها عام 1967 باعتبارها كيان مستقبل اجنبي له ميزاته، أصبحت هذه الأيام عبارة عن مؤسسات محلية تخضع للقانون الاسرائيلي لدرجة ان الكنائس الرسمية الكبرى لا تستطيع أن تغير حجرا في أي من أديرتها وكنائسها إلا بعد موافقة اسرائيل.
وقبل أيام قررت اسرائيل طرد الدبلوماسيين الهولنديين في الممثلية الهولندية في رام الله بسبب موقف هولندا الصديقة التاريخية لليهود ولإسرائيل من فرض العقوبات على صادرات المستوطنات الى هولندا ، وهذا يعني أن على جميع الدبلوماسيين الهولنديين مغادرة القدس حيث مكان سكنهم الدبلوماسي فورا.
ومعروف أن جميع الدبلوماسيين والبعثات الدولية الأوروبية والأجنبية الذين يعملون في رام الله من خلال الممثليات يقيمون في القدس في موقف بالغ الأهمية باعتبار القدس عاصمة الدولة الفلسطينية ، باستثناء الممثليات العربية في رام الله حيث يقطن رؤسائها في رام الله وليس في القدس .
هذه الخطوات الإسرائيلية المتسارعة الهادفة لإنهاء اي تواجد دولي دبلوماسي في القدس يتماهي والموقف الذي تتبناه جميع الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة بعض النظر عن التوجهات الحزبية لها من أن القدس عاصمة اسرائيل ولن تتنازل عنها ، ولهذا لا حاجة إلى أي وجود دبلوماسي فيها إلا ما يخدم مصالحها فقط ، واسرائيل تستمر بممارسة سياسة عدم التسامح مع أي جهة دولية واجنبية لا تسير وفق الرؤية الاسرائيلية بكل ما يخص الصراع العربي الإسرائيلي وبالتحديد فيما يتعلق بالقدس لانها تريد حسم هذا الملف بأسرع وقت ممكن وإلى الأبد.
القدس مقبلة على فترة مصيرية غاية في الصعوبة لا يمكن التكهن بنتائجها، ولكن ما هو مؤكدا انها لن تكون سهلة على المدينة المعزولة المحاصرة وأهلها الوحيدين في هذه المواجهة بعد ان خذلهم العرب والمسلمين والعالم .
وحماك الله يا قدس
وللحديث بقية ...
خليل احمد العسلي

