- 4 تشرين الثاني 2026
- مقدسيات
بقلم : نافذ عسيلة
من منظور مقدسي، لا يمكن النظر إلى خطاب العرش الذي ألقاه جلالة الملك عبد الله الثاني في 2 تشرين الثاني 2026 باعتباره مجرد خطاب سياسي، بل هو تأكيد على المكانة الراسخة التي تحتلها القدس في الوجدان الأردني، وعلى المسؤولية التاريخية والإنسانية تجاه أهلها ومقدساتها. فبالنسبة لنا نحن المقدسيين، تلامس الكلمات المتعلقة بالمدينة مشاعرنا وذاكرتنا، لأنها ترتبط بهويتنا وانتمائنا وحقنا في البقاء على أرضنا.
وقد حظي تأكيد جلالة الملك على أولوية القدس في الموقف الأردني، واستمرار الوصاية الهاشمية على مقدساتها الإسلامية والمسيحية، باهتمام وتقدير لدى المقدسيين. فهذه المواقف تعكس عمق العلاقة التاريخية التي تربط الأردن بالمدينة وأهلها، وتعزز الشعور بأن القدس ما زالت حاضرة في الاهتمام الأردني، رغم التحديات والضغوط التي تواجهها. وفي الوقت ذاته، تتداخل مشاعر الاعتزاز بهذا الموقف مع القلق على مستقبل المدينة، والتطلع إلى استمرار الجهود التي تحمي مقدساتها وتصون هويتها وتدعم أهلها في مواجهة ظروف الحياة الصعبة.
وتكتسب الوصاية الهاشمية أهمية خاصة في الوجدان المقدسي، لما تمثله من امتداد لدور تاريخي في رعاية المقدسات الإسلامية والمسيحية، وحماية المسجد الأقصى المبارك والكنائس، وصون حرية العبادة والطابع الديني والحضاري للمدينة. كما تشكل حضورا أردنيا في الدفاع عن القدس ومقدساتها في المحافل الدولية، وعن هويتها التي تشكلت عبر قرون من التعدد الديني والثقافي.
ومن هنا، يتطلع المقدسيون إلى تعزيز التنسيق الأردني الفلسطيني، ودعم دائرة الأوقاف الإسلامية والمؤسسات المقدسية، والحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني القائم في الحرم القدسي الشريف، إلى جانب حماية كنيسة القيامة والأوقاف المسيحية. فالقدس التي تعايشت فيها المآذن وأجراس الكنائس عبر قرون تستحق أن تبقى نموذجا للتنوع والتسامح والعيش المشترك، بعيدا عن محاولات تغيير هويتها أو المساس بمكانتها الدينية والتاريخية. كما يكتسب تأكيد جلالة الملك على ارتباط السلام والاستقرار في المنطقة بتلبية حقوق الشعب الفلسطيني أهمية خاصة لدى المقدسيين. فنحن ندرك من واقع تجربتنا أن تجاهل هذه الحقوق لن ينهي الصراع، بل سيعمق معاناة الفلسطينيين ويزيد من التحديات التي تواجه القدس وأهلها، ويجعل مستقبل الأجيال القادمة أكثر غموضا وقلقا.
ومع تقدير المقدسيين للمواقف الأردنية، فإن تطلعهم الأساسي يتمثل في ترجمتها إلى خطوات عملية تعزز صمودهم في مواجهة التحديات المتعلقة بالسكن والأرض والهوية، وتحمي المؤسسات التعليمية والاجتماعية، وتحافظ على الوجود الفلسطيني في البلدة القديمة والأحياء المقدسية. فالمقدسي الذي يتمسك ببيته وأرضه ويواصل حياته رغم الصعوبات، يحتاج إلى سند حقيقي يخفف عنه أعباء الحياة ويمنحه القدرة على الاستمرار.
ومن واقع معايشتي للحياة في القدس، أرى أن دعم المدينة لا يقتصر على حماية مقدساتها، مهما كانت هذه المهمة أساسية، بل يشمل أيضا مساندة مؤسساتها وتعزيز قطاعات التعليم والصحة والإسكان، وحماية الأوقاف والممتلكات، ومساعدة العائلات على البقاء في بيوتها. فالقدس ليست المسجد الأقصى وكنيسة القيامة فحسب، بل هي أيضا أسواقها وأزقتها ومدارسها وبيوت أهلها وذاكرتهم المتوارثة. إنها تفاصيل الحياة اليومية التي تمنح المدينة روحها، ووجوه الناس الذين يصنعون هويتها جيلا بعد جيل. ولذلك، فإن صون القدس يبدأ بصون حياة أهلها، وتعزيز قدرتهم على التمسك بأرضهم، وضمان حقهم في العيش بكرامة وأمان.
من منظور مقدسي، تتجاوز العلاقة بين القدس والأردن حدود الجغرافيا والسياسة، لتجسد روابط تاريخية وإنسانية واجتماعية راسخة. ومن هذا المنطلق، يتابع المقدسيون باهتمام المواقف الأردنية تجاه مدينتهم، ويقدرون ما تحمله من تأكيد على الحقوق الفلسطينية وحماية المقدسات، باعتبارها تعبيرا عن علاقة متجذرة من التضامن والمسؤولية والوفاء. وفي ظل التحديات الراهنة، تبرز أهمية تضافر الجهود العربية والإسلامية والمسيحية والدولية، وترجمة المواقف السياسية إلى مبادرات عملية وفاعلة تسهم في حماية المقدسيين ومؤسساتهم وتعزيز صمودهم في مدينتهم.
كما يكتسب تحذير جلالة الملك من الاعتداءات الإسرائيلية في القدس والضفة الغربية والأطماع التوسعية أهمية خاصة، بالنظر إلى انعكاساتها المباشرة على حياة الفلسطينيين ومستقبل المدينة. ونحن، الذين نعيش هذه التحديات ونلمس آثارها في تفاصيل حياتنا اليومية، نأمل أن تتجاوز المواقف الدولية حدود التعبير عن القلق، وأن تترجم إلى خطوات أكثر فاعلية تحمي الحقوق وتضع حدا للانتهاكات التي تهدد المدينة وسكانها ومقدساتها.
وأنا أتابع خطاب العرش من قلب القدس، استحضرت وجوه المقدسيين في الأسواق والأزقة، وأصحاب المحال في البلدة القديمة، والعائلات التي تتمسك ببيوتها رغم قسوة الظروف، والأجيال الشابة التي تحلم بمستقبل أفضل في مدينتها. تذكرت الآباء والأمهات الذين ورثوا حب القدس عن أجدادهم، ويحاولون اليوم نقل هذا الحب إلى أبنائهم، وتعزيز ارتباطهم بأرضهم وبيوتهم وذاكرتهم. فالقدس بالنسبة إلينا ليست مجرد قضية سياسية أو عنوان في خطاب، بل هي وطن نعيش فيه، وذاكرة نحملها، وهوية نعتز بها، ومستقبل نريد أن نحفظه لأبنائنا.
لقد علمتنا القدس أن المواقف لا تقاس بالكلمات وحدها، بل بما تتركه من أثر في حياة الناس، وبقدرتها على حماية الأرض والإنسان والهوية. وعلمتنا أيضا أن الانتماء ليس مجرد شعور يسكن القلوب، بل مسؤولية نعيشها كل يوم، في بيوتنا وأحيائنا وأسواقنا ومؤسساتنا.
وستبقى القدس حاضرة في وجدان المقدسيين والأردنيين، بما تمثله من تاريخ ومقدسات وإرث إنساني مشترك. وسيظل أهلها يتطلعون إلى أن يقترن الاهتمام بها بحماية حقوقهم وصون كرامتهم وضمان حقهم الأصيل في البقاء والعيش بأمان وطمأنينة في مدينتهم. فالقدس ليست مجرد مدينة نحمل ذكراها، بل حياة نعيشها، وهوية ندافع عنها، وأمانة نريد أن نحفظها للأجيال القادمة.

