• 26 تشرين أول 2026
  • نبض إيلياء

 في حديث صباحي بالتحديد حديث  في ساعات الفجر الاولى مع صديق عزيز نشيط يحب ان يكتب ويناقش كل المواضيع في هذه الساعات حيث الهدوء وصفاء الذهن  وصلاة الفجر وابواب السماء مفتوحة للدعاء في الساعات المباركة.

 قال لي انه اثناء  ترتيب مكتبته التي كانت ولا تزال في  مجموعة من الصناديق الكرتونية، ووقع نظره على قصة صغيرة أعاد له ذكريات  فهي قصة حزينة كان قد  قرأها في صغره ولا تزال  تؤثر فيه  خاصة صورة الطفلة الحزينة على الغلاف ، وأكمل حديثه 

 اهم  ما اذكره ولا زال محفورا  في ذاكرتي  أن الفتاة كانت تجلس في قارعة الطريقة تبيع بعض الحاجيات غير الواضحة المعالم،  فسألها أحد المارة  : ماذا تبيعين؟!

 فردت عليه الطفلة ذات النظرة الحزي  : ابيع العواطف 

 شعرت من الصمت الذي ساد الحوار بانه الكلمات قد اختنقت في حلقه من شدة التأثير حتى بعد اكثر من اربعين سنة على قراءة هذه القصة .

 قبل أن يكمل بقوله : هذه الرواية ذكرتني بمنظر كنت شاهدا عليه عندما رايت طفل لم يتجاوز العامين من عمره ينظر بخوف وحزن وهو يرى والدته ووالده يصرخون على بعضهم البعض، ينظر اليهم  والخوف يملأ عيونه الجميلة التي غطتها الدموع، وهرب الى زاوية في البيت وجلس خلف الكرسي يبكي بصمت، فهذا الطفل كان يبحث عن العواطف عن الحنية عن الحب …

 هذه العبارة أثرت في انا شخصيا بشكل كبير ، خاصة وأننا في زمن افتقدت فيه الكثير من العائلات الى العواطف ، ومحبة الأطفال ، والرحمة ،  وهذا يفسر الارتفاع الكبير في نسبة الطلاق في المجتمع المقدسي،  حالات طلاق لأتفه الأسباب دون الأخذ بعين الاعتبار  للاطفال والذين هم الضحية الاولى  من هذا الطلاق، هؤلاء الأطفال يقضون حياتهم بحثا عن العواطف التي  افتقدوها في عائلاتهم عندما كان هناك عائلة ، هذا العواطف وهذا الحنان  لن يوفر أحد من الوالدين لوحدهم، تلك العواطف التي يجب أن تكون في بيت كله دفئ وحنان يخيم عليه الحب بين الوالدين ، ولكن في حالة الانفصال والطلاق فإن الكراهية هي التي تخيم بين الوالدين وهذا ينعكس على نفسية الأطفال الذين قد يجدوا  أنفسهم في الشارع باحثين عما فقدوه ، بعد أن هدم منزل أحلامهم  بأيدي الوالدين معا او فرادا .

حتى الان لا توجد إحصائية رسمية لدى المحكمة الشرعية  في القدس حول نسبة الطلاق ولكن بأحاديث جانبية يتضح أنه لا يكاد يمر يوم واحد بدون وجود  عدد من حالات الطلاق التي تصل إلى المحكمة الشرعية في شارع صلاح الدين .

كما أنه لا توجد دراسة وافية عن حال الطفولة في القدس في مجتمع مفكك منهار اجتماعيا، فالكل يسير على طريقته الاب والام  تاركين الأطفال لوحدهم يبحثون عن العواطف عن الحنان عن البيت الدافئ،  فلقد تعلم الاب والام الانانيه  القادمين من عائلات مفككة داخليا .

 ارحموا أطفالكم،  فهم جيل المستقبل، فهم من سيقود المجتمع اما الى الهاوية الاخلاقية او يقود المجتمع الى النهوض والأخلاق .

 وهنا ذكرتني صديقي بقصة اخرى كنا نبكى ولا نزال  نبكى عندما نقرأها أو نتذكرها انها قصة انسانية تحمل عنوان " بائعة الكبريت " هي قصة قصيرة  للكاتب الدنماركي "هانز كريستيان اندرسن"  حفرت بذاكرة الأجيال السابقة. 

 تدور أحداث هذه القصة  الحزينة 

في ليلة رأس السنة الميلادية الباردة ، خرجت فتاة فقيرة تحاول بيع الكبريت في الشارع بناءً على أمر من والدها ، إلا أنها كانت ترتجف من شدة البرودة ، وكانت تخشى والداها من العودة إلى منزلها دون بيع أي كبريت . كانت الفتاة عارية الرأس ومعدتها فارغة من الطعام وحافية القدمين حيث انها فقدت حذائها . حاولت الفتاة المناداة على بيع الكبريت ، إلا أنه لم يسمعها أي شخص ، وظلت حبات الثلج تتساقط على شعرها الأشقر الطويل .عندما شعرت الفتاة بالتعب الشديد ، جلست الفتاة تأوي نفسها في زاوية ، وبدأت في تدفئة نفسها بأضواء الكبريت من خلال إشعال أعواد الكبريت . بدأ حلمها في العود الأول وبعد أن انطفئ ، قامت بإشعال الآخر والذي جعلها تتخيل أمامها مائدة كبيرة من الطعام عليها كل ما طاب ولذ من ديك رومي وغيرة من الأطعمة اللذيذة ، وبعد أن انطفأ قامت بإشعال العود التالي . وحينذاك كانت احتفالات رأس السنة مع الألعاب النارية التي تنطلق لتضيء السماء بأضوائها المتلألئة ، بما في ذلك شجرة عيد الميلاد المضيئة .نظرت الفتاة إلى السماء وتذكرت جدتها المتوفيه ، واعتقدت أن هذا النيزك كما لو أنه يعني شخص يحتضر ويسير إلى السماء ، وأصبحت تأمل في الذهاب لرؤية جدتها حيث انها الشخص الوحيد الذي عاملها بكل حب وحنان وملئها بالعطف والحنية ، وبدأت متابعة إشعال كبريت واحدة تلو الأخرى للحفاظ على رؤية جدتها على قيد الحياة ، ومن ثم صرخت لجدتها : خذيني خذيني إليك يا جدتي . كانت تعلم ان أعواد الكبريت ستنطفئ ، وينطفئ معه كل الآمال والأحلام التي دارت مع إضاءات الكبريت ، إلا أن مع آخر ضوء للكبريت ، رأت جدتها تقترب إليها وتحتضنها بين ذراعيها وتأخذها إلى السماء معها ، فما لبثت ان تشعر بالجوع أو العطش أو أي ألم . بعد نفاد الكبريت ، توفيت الطفلة ، ووجدت جدتها تحمل روحها إلى السماء لتعيش معها في السماء حياة سعيدة مليئة بالحب . في صباح اليوم التالي ، عثر المارة على طفلة ميتة في زاوية الشارع، وشعروا بالشفقة نحوها .كان الهدف من نهاية قصلة أندرسون أنها نهاية سعيدة ، حيث أن الفتاة تحب جدتها وتحب تعاملها لها ، وتفضل البقاء معها سعيدة ، فجعلها تذهب إلى جدتها في السماء حتى لا تعاني من الفقر مرة أخرى " انتهت القصة  ولكن حياة أطفالنا لا تزال في البداية .

 اتمنى  ان لا تصل الطفولة في القدس الى هذا الوضع المأساوي رغم أننا نرى بعضا من بوادره.

 حافظوا على اطفالكم وعلى عائلاتكم ولا تكونوا سبب في تعاسة الطفولة لأن الله لن يسامحكم ولن يرحمكم أبنائكم وبناتكم  في المستقبل .

 أنقذوا الطفولة في القدس ، لأن هذا يعنى إنقاذ مجتمع بأكمله على شفى الانهيار من الداخل حتى لو لم يعترف الكثيرون ولكن الوضع كارثي …. 

 وللحديث بقية 

                     خليل احمد العسلي