- 23 حزيران 2026
- مقابلة خاصة
القدس - أخبار البلد - كتب خليل العسلي :
لقد تعرفت على الصديق الكاتب الشاعر عاشق الكتب "عصام عياد" منذ سنوات طويلة في إطار بحثي عن كتاب حول المقاهي ، وكان خير دليل ، وقد نشرت له " أخبار البلد" المقدسية العديد من قصائده الشعرية وبعض من مقالاته.
وعندما بدأت رحلة النشر كان لي قارئا جيدا في هذا المجال في بيروت وكان خير ناصح ومعلما في سوق النشر والطباعة والتوزيع العربي .
واليوم يسعدنا في شبكة " أخبار البلد " المقدسية ان نعيد نشر الحوار الجميل الذي أجراه معه الصحفي العراقي " رامي فارس الهركي" ونشر في صحيفة العرب اللندنية. واليكم الحكاية:
قبل إجراء هذا الحوار مع عصام عياد، وجدتُ صعوبة في تصنيفه: أهو كاتب، أم شاعر، أم صوفي، أم كتبيّ يملك واحدة من أقدم المكتبات المميزة في بيروت؟ لكنّه، ومن خلال حديثه معي، بدا حاسمًا في موقفه، إذ أكد أنه عازف عن تعريف نفسه أو تصنيفها، بل وغير معنيّ بذلك.
ويرى عياد أن التصنيف ليس سوى “تعليب وتحجيم وتقزيم لمشروع أي مبدع في فضاء المعرفة والثقافة، على اختلاف مجالاتها، من الأدب إلى الفلسفة والدين والتصوف”. ويضيف “لطالما سُئلت عن أعمالي وتصنيفها، وكنتُ كثيرا ما أحيل السائلين إلى إجابات النقاد، على اختلاف مشاربهم الأدبية والفكرية، وحتى الحزبية”.
هكذا بدا الحوار الذي أجريته معه قبل فترة ليست ببعيدة؛ حوارٌ مفتوح على أسئلة كبرى: الوجود، الزمن، النفس، الهوية، الديمقراطية، الحرية، والثقافة. والقارئ لإنتاج عصام عياد يلحظ بوضوح أنه لا يكتب في اتجاه واحد، بل تتقاطع في نصوصه الفلسفة مع التصوف، والأدب مع التأمل الوجودي، حيث يعالج أسئلة الزمن والهوية وإشكالية الحاضر ضمن قالب شعري مؤثر، يترك في النفس أثرا لا يمحى.
ردا على سؤال عن الدروس المستنبطة من تجارب التاريخ، يقول عياد إن الدروس تبدأ من “التشكيك الجذري في مفهوم التاريخ كما وصل إلينا”، معتبرا أن “ما نعرفه عن الماضي ليس سجلا محايدا للأحداث، بل هو في جوهره تراكم لروايات متداخلة، مشوهة، ومتنازعة”. فالتاريخ، كما يراه، ليس مادة صافية، بل “تواريخ وتدوينات زائغة، زائفة، زائرة، زائدة وناقصة”.
ويذهب إلى أن “الشعوب لم تستفد من تجارب التاريخ بالقدر المتوقع، لأن هذا التاريخ نفسه لم يُكتب بمعزل عن السلطة. فالرواية التاريخية، في الغالب، هي رواية المنتصر، الذي يملك القدرة على التدوين والنشر والفرض، بينما يبقى المهزوم خارج النص أو مشوهاً داخله”.
ومن هنا يطرح سؤالا مركزيا “إذا كان المنتصر هو من يكتب التاريخ، فأين تاريخ المهزوم؟ أمة كانت أو شعبا أو جماعة أو حزبا؟ هذا الغياب، في رأيه، يخلّ بتوازن المعرفة التاريخية ويجعلها أقرب إلى خطاب السلطة منه إلى الحقيقة”.
كما يرى أن “كثيرا من المؤرخين لم يكونوا خارج بنية السلطة، بل كانوا جزءا من منظومتها، ما يجعل التاريخ بحاجة دائمة إلى مراجعة وتشذيب ونقد، لا إلى تلقيه كمعرفة نهائية أو يقينية”.
بين الفكرة والتجربة
لدى سؤاله حول تعريفه للديمقراطية، اعتبر عصام عياد أنها في جوهرها مجموعة من السبل والأفكار والتطبيقات التي تختلف باختلاف المجتمعات والتجارب التاريخية، وليست نموذجا واحدا ثابتا. ويرى أنها “الفكرة السياسية الأكثر عدالة من حيث قدرتها على تجسيد حرية الفرد وتنظيم العلاقة بينه وبين المجتمع والدولة، رغم ما شاب بعض التجارب الديمقراطية من أخطاء وخطايا، بعضها لم يكن بريئا”.
وحدد الديمقراطية بأنها “حكم الشعب لنفسه عبر مؤسسات الدولة والمجتمع، بما يسمح بخلق مجتمع حي في السياسة والاقتصاد والاجتماع، ويضمن حرية الفكر”، أو كما يختصرها: “حماية التفكير من التكفير”، لكنه في الوقت نفسه شدد على أن “الديمقراطية لا تمتلك شكلا مثاليا نهائيا، بل هي عملية مفتوحة على التطوير المستمر عبر النقد والمراجعة والتجربة”.
وعند سؤاله عن أسباب غياب الديمقراطيات في البلدان العربية، رفض عياد الفرضية التي تقول إن هناك تجارب ديمقراطية فشلت، لأنه يرى أن هذه التجارب لم تكن أصلا ديمقراطية بالمعنى الحقيقي منذ سقوط الدولة العثمانية، معتبرا أن “العلاقة بين السلطة والمجتمع في العالم العربي قامت على القمع والإكراه والإقصاء، سواء بين الأنظمة وشعوبها أو بين السلطة والمعارضة أو حتى داخل قوى المعارضة نفسها”.
وأضاف أن “الأنظمة الاستبدادية لا تعمل بمعزل عن بعضها، بل كثيرا ما تتقاطع وتتناغم، خصوصا في المجالين الأمني والعسكري، بما يعزز استقرارها واستمرارها”.
كما أشار إلى أن “هذه الأنظمة تتحرك ضمن شبكة من العلاقات الدولية التي توفر لها أشكالا من الدعم والحماية، إلى أن تتغير موازين القوى أو تتدخل أحداث كبرى تعيد تشكيل المشهد السياسي”.
أما المعارضة السياسية، فيرى أن “جزءا منها وقع في الانتهازية أو الارتباط بالخارج، ما جعل خطابها لا يترجم دائما إلى ممارسة ديمقراطية حقيقية”.
وعن تزايد ظاهرة الإلحاد بين الشباب، أوضح عياد أنه لا يملك معطيات دقيقة حول حجم الظاهرة، لكنه يميل إلى الاعتقاد بأنها “محدودة نسبيا في المجتمعات الشرقية ذات البنية الدينية القوية”، ويشير إلى أن “ما يجاور الإلحاد من ظواهر مثل اللاأدرية والربوبية واللادينية الروحية أكثر حضورا وأقل حدّة في الموقف من الدين”.
ورأى أن “مستقبل هذه الاتجاهات مرتبط بظهور بدائل فكرية وفلسفية وعلمية قادرة على تقديم إجابات أكثر إقناعا للأسئلة الكبرى المتعلقة بالوجود والمعنى، وإلا فإنها ستبقى في حدود تأثير محدود داخل مجتمعاتها”.
ولا يرى عصام عياد أن أزمة غياب ثقافة الحوار تخص مجتمعات بعينها، بل يعتبرها مشكلة إنسانية تاريخية ممتدة منذ بدايات الصراع البشري. فالحوار، في رأيه، “حاضر في النصوص والكتب والمؤسسات التعليمية، لكنه ضعيف في الواقع العملي، حيث تحكم العلاقات بين الدول والجماعات والقوى السياسية موازين القوة أكثر من أي شيء آخر”.
ومن هذا المنطلق، يعتبر أن “الحديث عن حوار متكافئ بين القوي والضعيف أو بين المنتصر والمهزوم أو بين المستعمر والمستعمَر يظل إشكاليا، لأن القوة هي التي تحدد شكل العلاقة ومضمونها”.
وحول سؤاله عن فصل الدين عن السياسة كإحدى الضرورات المجتمعية للتغيير والتقدم، يؤكد عياد أن فكرة فصل الدين عن الدولة نشأت في السياق الأوروبي نتيجة صراع تاريخي بين الكنيسة والسلطة السياسية، وبالتالي فهي نتاج تجربة خاصة لا يمكن نقلها حرفيا إلى مجتمعات أخرى.
ويرى أن “الدين في المجتمعات العربية ليس مجرد شأن فردي، بل عنصر أساسي في الهوية والبنية الاجتماعية، الأمر الذي يجعل العلاقة بين الدين والسياسة علاقة معقدة لا تقبل الاستنساخ البسيط للنماذج الغربية”.
ويضيف أن “كثيرا من التيارات التي رفعت شعارات علمانية عادت عمليا إلى توظيف الدين حين احتاجت إلى شرعية اجتماعية أو سياسية، ما يكشف عمق تداخل المجالين”.
ومن هنا يخلص إلى أن “الإشكال لا يكمن في وجود الدين، بل في طريقة فهمه وتوظيفه، وأن المطلوب هو إعادة قراءة الخطاب الديني وتنقيته من العناصر التي تعيق تطور المجتمع، لا إقصاؤه”.
وعن غياب العدالة الاجتماعية في البلاد العربية، يرى عصام عياد أن العدالة الاجتماعية تقوم على مجموعة من الأسس، أبرزها المساواة بين المواطنين، والتكافل الاجتماعي، والإنصاف في الحقوق والواجبات، إضافة إلى المشاركة السياسية ودعم مؤسسات المجتمع المدني. لكنه يلاحظ أن “هذه الأسس غائبة أو ضعيفة في معظم الدول العربية نتيجة الاستبداد السياسي وانتشار الفقر والأمية والجهل”.
ويطرح عياد سؤالا حادا “كيف يمكن الحديث عن عدالة اجتماعية في مجتمعات تعاني من أزمات بنيوية عميقة على مستوى التعليم والاقتصاد والثقافة؟”. ويعتقد أن “الحل يبدأ من بناء دولة القانون والحريات، وإصلاح مؤسسات الدولة والمجتمع، إلى جانب تشكل نخب فكرية وطنية قادرة على إنتاج وعي جديد يقود التغيير”.
ولدى سؤاله عن العلاقة بين المثقف والسلطة، استحضر عياد أفكار ابن خلدون وغرامشي، حيث يرى الأول أن المثقف تابع للسلطة، بينما يرى الثاني أنه إما جزء من هيمنتها أو أداة لتغييرها. أما عياد فيرى أن “السلطة ليست سياسية فقط، بل تتوزع على مجالات متعددة، كذلك المثقف بدوره ليس نموذجا واحدا، بل تتعدد أدواره بين السياسي والاجتماعي والفلسفي والمعرفي”.
ويخلص إلى أن “العلاقة بين المثقف والسلطة ليست علاقة حياد، بل علاقة توتر وصراع، لأن المثقف يحمل في داخله إمكانية التحول إلى سلطة رمزية أو فعلية، حتى وإن لم يعلن ذلك صراحة”.
وعن أسباب خوف المثقف وخضوعه للسلطة أحيانا، يؤكد عصام عياد أنه “إذا كان السياسي يجهر بطموحه للوصول أو الاستيلاء على السلطة، فإن المثقف هو مشروع سلطوي في حالة كمون”.
ويرى أن “العلاقة بين السياسي الحاكم (صاحب السلطة) وبين المثقف (الباحث والطامح للسلطة) هي علاقة صراع تتراوح حدته بين مستويي السلمية والدموية”.
الحرية ومعناها الحقيقي
حول رؤيته عن الثقافة اليوم في زمني العولمة والرقمنة يؤكد عياد أن “العالم دخل مرحلة جديدة بفعل العولمة والرقمنة، حيث تحولت الثقافة إلى فضاء كوني مفتوح، تتراجع فيه الحدود التقليدية للثقافات الوطنية”.
ويشير إلى أن “وسائل الإعلام والتكنولوجيا الحديثة تساهم في تشكيل أنظمة ثقافية جديدة تتجاوز الإطار المحلي، لكنها في الوقت نفسه تحمل أشكالاً من الهيمنة الرمزية التي تؤثر في العقول والوعي”.
ويعتقد أن “الأجيال القادمة ستختلف جذريا عن السابقة، ليس فقط في أدواتها، بل في رؤيتها للعالم وقيمها وأنماط تفكيرها، وأن هذا التحول سيعيد تشكيل البنى الاجتماعية والتربوية بشكل عميق”. ويخلص إلى أن “ما نشهده اليوم ليس مجرد تغير ثقافي، بل انتقال إلى مرحلة تاريخية جديدة لم تتضح ملامحها النهائية بعد”.
لدى سؤاله عن الحرية وفي ما إذا كنا قد عشناها بمعناها الحقيقي، أكد عصام عياد أن “حرية الفرد هي نسبية ومقيدة”، وتابع “بحسب ما اطلعنا عليه وتابعناه وواكبناه، وحسب تجربتنا الخاصة وتجاربنا في بلادنا وتجارب غيرنا في العالم الحديث والمعاصر، يمكن الاستنتاج أن لا حرية مطلقة للإنسان، وطالما هناك علائق اجتماعية ومع الطبيعة فإن حرية الفرد هي نسبية ومقيدة”.
وأضاف “قد يختلف حجم هذه النسبة من مجتمع إلى مجتمع حسب الاتفاق السائد بين قوى هذا المجتمع أو ذاك”، مشيرا إلى أنه “لم تكُ هنا وهناك وهنالك حرية مطلقة ولن تكون؛ لأن الحرية المطلقة تؤول إلى فقدان مطلق للحرية الحقيقية”، مستشهدا بمقولة الفيلسوف الفرنسي مونتيسكيو الذي قال “تنتهي حريتك حيث تبدأ حرية الآخرين”.
واختتم عياد حديثه بالقول إن “حريتك تنتهي عندما تمس يدك الممدودة أنف رجل آخر، أو حريتك تنتهي عند حدود أنفي كما قال القاضي الأميركي أوليفر هولمز الابن”.
عصام عياد لا يكتب في اتجاه واحد، بل تتقاطع في نصوصه الفلسفة مع التصوف، والأدب مع التأمل الوجودي

