• 28 حزيران 2026
  • مقابلة خاصة

 

بقلم الباحث: حازم زكي البكري

 

لم تعرف مدينة القدس، منذ نشأتها، تركيبة سكانية متجانسة بالمعنى الضيق للكلمة. فقد قامت المدينة في محيط نبع جيحون، في المنطقة التي تُعرف اليوم ببلدة سلوان، بوصفها مركزاً كنعانياً قديماً ارتبط تاريخياً باسم يبوس. ومنذ ذلك الحين، شكّلت القدس فضاءً حضرياً مفتوحاً لاستقبال جماعات بشرية متعددة، تأثرت أوضاعها وتحولاتها بالحروب والغزوات، وبالهجرات الداخلية القادمة من القرى والبوادي والمدن الفلسطينية المجاورة.

ولم تكن الهجرة إلى القدس ظاهرة عارضة أو استثنائية، بل كانت جزءاً من تاريخ المدينة الاجتماعي والاقتصادي. فقد قصدها القادمون لأسباب اقتصادية، أو أمنية، أو طبيعية، أو طلباً للحماية والاستقرار بعد الحروب والاضطرابات. واستقر هؤلاء في قلب المدينة المسوّرة، أو في محيطها القريب، أو في القرى والأحياء التابعة لمحافظة القدس، وأصبحوا مع مرور الزمن جزءاً أصيلاً من نسيجها الاجتماعي.

إلا أن دراسة التركيبة السكانية للقدس تواجه إشكالية منهجية مهمة؛ إذ إن كثيراً من كتب التاريخ والتراجم ركّزت على الأسر العلمية، والأعيان، وكبار التجار، ومالكي الأراضي، وأصحاب المناصب الدينية والإدارية. وهي، على أهميتها، تمثل شريحة محدودة من المجتمع، ولا تكاد في بعض المصنفات تتجاوز عدداً محدوداً من الأسر المعروفة والمتكررة.

وفي المقابل، أُهملت غالبية العائلات التي تكوّن المجتمع المقدسي الحقيقي: عائلات الموظفين، والعمال، والحرفيين، وأصحاب المهن، والرعاة، والفلاحين، وأهل الأسواق، وسكان الحارات والأزقة، وهي الفئات التي شكّلت القاعدة الاجتماعية والاقتصادية للمدينة عبر القرون. فهذه العائلات هي ملح القدس وعمادها، وهي التي حفظت الحياة اليومية فيها، وأدارت أسواقها، وعمّرت أحيائها، وحافظت على طابعها العربي والإسلامي والمسيحي المتجذر.

ومن هنا، فإن حصر سكان القدس في عدد محدود من العائلات الثرية أو العلمية لا يعبّر عن الحقيقة الاجتماعية الكاملة للمدينة، ولا ينسجم مع ما تكشفه المصادر المتنوعة، مثل حجج البيع والشراء، ووثائق الزواج، وسجلات حصر الإرث، وسجلات المحاكم الشرعية، والوثائق المملوكية والعثمانية، وأدب الرحلات، وكتاب الأنس الجليل,  تُضاف بعد الفقرة التي تتناول حجج البيع والشراء وسجلات المحاكم الشرعية وتكتسب سجلات النفوس العثمانية الإحصائية أهمية خاصة في هذا المجال؛ إذ تمثل مصدراً أساسياً للتعرّف إلى أسماء الأسر والأفراد، وتوزعهم في الأحياء والقرى، ومهنهم وأوضاعهم الاجتماعية في الفترات التي تغطيها. ورغم أن بعض هذه السجلات أُعدّ لأغراض إدارية ومالية وعسكرية، وقد لا يشمل جميع فئات السكان بالدرجة نفسها، فإن مقارنتها بسجلات المحاكم الشرعية وحجج الوقف والبيع والإرث تتيح إعادة قراءة أكثر دقة وشمولاً للتركيبة السكانية في القدس. كما تساعد هذه الوثائق في إبراز أسماء العائلات المتنوعة التي غابت عن كتب التراجم التقليدية، وإعادة الاعتبار لدورها بوصفها جزءاً أصيلاً من المجتمع المقدسي وتاريخه. . فهذه المصادر تشير إلى وجود مئات العائلات التي أقامت في القدس، وعملت فيها، وتفاعلت مع مجتمعها، وما زال كثير من امتداداتها حاضراً حتى اليوم.

أولاً: القدس مدينة هجرات وتفاعل سكاني

تأثرت التركيبة السكانية للقدس، على امتداد تاريخها، بعوامل متعددة، من أبرزها موقعها الديني والسياسي والاقتصادي. فالمدينة لم تكن مجرد مركز إداري أو ديني، بل كانت أيضاً نقطة جذب للتجار، والعلماء، والحجاج، وأصحاب الحرف، والجند، والموظفين، والقادمين من أقاليم فلسطين وبلاد الشام والعالم الإسلامي.

وقد تعاقبت على المدينة قوى مختلفة، من الفراعنة والبابليين والفرس واليونان والرومان وغيرهم، وترك كل عهد بصماته السياسية والاجتماعية. ومع ذلك، بقيت القدس مرتبطة بمحيطها العربي والكنعاني والشامي، واستمر وجود السكان المحليين فيها وفي قراها المحيطة، رغم ما تعرضت له المدينة من احتلالات وحروب وتهجير.

كما عرفت المنطقة المحيطة بالقدس وجود قبائل وجماعات عربية متعددة، من بينها لخم وجذام والغساسنة وعنزة، إلى جانب الجماعات المسيحية العربية التي استوطنت بلاد الشام وفلسطين. وبعد الفتح الإسلامي، انضمت إلى سكان المدينة مجموعات عربية أخرى، فازدادت المدينة تنوعاً وتواصلاً مع محيطها العربي والإسلامي.

ثانياً: التحولات السكانية في العصور الإسلامية

مع الفتح الإسلامي للقدس، أصبحت المدينة جزءاً من المجال الحضاري العربي الإسلامي، واندمجت فيها جماعات سكانية متنوعة ضمن إطار لغوي وثقافي واجتماعي مشترك. ثم شهدت القدس، خلال العصور الأيوبية والمملوكية والعثمانية، موجات متعددة من الاستقرار والهجرة، ارتبطت بالظروف السياسية والعسكرية والاقتصادية.

وخلال الاحتلال الصليبي، دخلت إلى المدينة مجموعات من أصول أوروبية، في حين استمر الوجود العربي والإسلامي، وإن تقلص في بعض الفترات داخل المدينة ذاتها نتيجة القتل والتهجير والاضطرابات، وانتقل جزء من السكان إلى القرى والأرياف المحيطة أو إلى مدن فلسطينية أخرى.

وبعد التحرير الصلاحي للقدس، عملت السلطة الأيوبية على إعادة إحياء المدينة وتشجيع عودة المسلمين إليها. وتشير المصادر إلى استقرار جماعات من المغرب العربي في القدس، عُرفت لاحقاً باسم المغاربة، إلى جانب أكراد وتركمان وأتراك وألبان وبشناق وأفغان وإيرانيين وبخاريين وأوزبك وهنود وغيرهم. وقد امتزجت هذه الجماعات بالسكان المحليين، ودخلت في النسيج المقدسي عبر المصاهرة والعمل والتجارة والإقامة الطويلة.

وفي العهد العثماني، استقرت في القدس أيضاً جماعات من الأفارقة والدوم والشركس والأرمن وغيرهم. ولا يعني هذا التنوع وجود مجتمعات منفصلة أو متقابلة، بل يعكس طبيعة المدينة بوصفها مركزاً حضارياً ودينياً مفتوحاً، استطاع أن يستوعب الوافدين ضمن إطار مقدسي جامع.

ثالثاً: الهجرات الداخلية ودور أهالي الخليل

مثلت الهجرات الداخلية من المدن والقرى الفلسطينية أحد أبرز العوامل المؤثرة في تشكيل المجتمع المقدسي. فقد وفدت إلى المدينة عائلات من غزة ونابلس والخليل وبيت لحم ورام الله وسائر القرى المحيطة، واستقرت في أحيائها وأسواقها ومحيطها الريفي.

وكانت الهجرة من مدينة الخليل إلى القدس ذات أثر واضح في إعادة تشكيل التركيبة السكانية للمدينة. فقد جاءت هذه الهجرات على مراحل مختلفة، ولأسباب متعددة، منها الصراعات المحلية، والخلافات على الأراضي، والتنافس على الزعامة، والبحث عن الاستقرار الاقتصادي والأمني.

وتشير الروايات التاريخية إلى أن بعض موجات الهجرة من الخليل بدأت منذ القرن الخامس عشر، ثم تواصلت في فترات لاحقة خلال العهدين الأيوبي والعثماني. كما شهدت القدس في فترة الانتداب البريطاني حضوراً ملحوظاً لرجالات من الخليل شاركوا في الدفاع عن المدينة وفي الأحداث الوطنية الكبرى، ومنها ثورة النبي موسى سنة 1920، وثورة البراق سنة 1929، والثورة الفلسطينية الكبرى سنة 1936.

وقد ساهمت هذه الهجرات في تعزيز الروابط الاجتماعية بين القدس والخليل، إلى درجة أن كثيراً من الأسر المقدسية المعاصرة ترتبط، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بجذور خليلية أو بقروية فلسطينية. غير أن هذا لا يلغي وجود الأسر المقدسية القديمة، ولا يقلل من دور المجموعات الأخرى التي ساهمت في تشكيل المدينة، بل يوضح طبيعة القدس بوصفها مجتمعاً واسعاً تشكل عبر التراكم والتفاعل لا عبر الانغلاق.

رابعاً: ما بعد النكبة والنكسة

أحدثت نكبة عام 1948 تحولاً عميقاً في التركيبة السكانية للقدس ومحافظتها. فقد لجأ إليها عدد كبير من الفلسطينيين الذين هُجّروا قسراً من حيفا ويافا واللد والرملة وقراها، ومن مناطق فلسطينية أخرى تعرضت للتطهير والتهجير. واستقر بعضهم داخل المدينة المسوّرة أو في الأحياء المجاورة، فيما أقام آخرون في مخيمات اللجوء الواقعة ضمن حدود محافظة القدس أو في محيطها.

ثم جاءت نكسة عام 1967 لتفتح مرحلة جديدة من التهجير القسري والهجرة العكسية. فقد اضطر كثير من المقدسيين، بمختلف أصولهم العائلية والاجتماعية، إلى مغادرة المدينة واللجوء إلى العاصمة الأردنية ومخيماتها، أو إلى دول عربية مجاورة، نتيجة سياسات الاحتلال والقيود المفروضة على الحياة والسكن والعمل والإقامة.

كما استقرت في القدس بعض أسر الثوار والمناضلين العرب الذين شاركوا الفلسطينيين في مواجهة المشروع الصهيوني، وهو ما أضاف بعداً قومياً وعربياً إلى البنية الاجتماعية للمدينة.

خامساً: العائلات الشعبية والمهنية: الذاكرة المغيّبة للقدس

إن من أبرز أوجه القصور في كثير من الدراسات التاريخية المتعلقة بالقدس أنها اختزلت المجتمع المقدسي في أسماء محددة من الأسر العلمية والثرية والأرستقراطية. فغالباً ما تكررت أسماء الأسر التي امتلكت النفوذ السياسي أو الديني أو التجاري، بينما غابت عن السرد أسماء عشرات، بل مئات، العائلات التي عاشت في الحارات، وعملت في الأسواق، وامتهنت الحرف والمهن البسيطة، وأسهمت في استمرار الحياة الاقتصادية والاجتماعية داخل المدينة.

فالمقدسي ليس فقط العالم، أو القاضي، أو التاجر الكبير، أو مالك الأرض، بل هو أيضاً الحرفي، والبنّاء، والنجار، والحداد، والخباز، والحمّال، وصاحب الدكان، والموظف، والمزارع، والراعي، والعامل، والمعلم، وربّة المنزل التي حفظت تقاليد الأسرة والحارة. هؤلاء جميعاً شكّلوا البنية الحقيقية للمجتمع المقدسي، وحافظوا على استمرارية المدينة في أصعب الظروف.

وتكمن أهمية إعادة الاعتبار لهذه العائلات في أنها تمثل الأغلبية الفعلية من سكان القدس، وهي التي صنعت الحياة اليومية للمدينة، ونقلت ثقافتها الشعبية، وحفظت عاداتها ولهجتها وأحيائها وأسواقها. فالتاريخ الاجتماعي للقدس لا يُكتب فقط من قصور الأعيان أو سجلات كبار العلماء، بل يُكتب أيضاً من دكاكين سوق القطانين، وأزقة باب حطة، وحارات القدس القديمة، وقرى المحافظة، وذاكرة الناس البسطاء.

خاتمة

يمكن وصف التركيبة السكانية لمدينة القدس ومحافظتها بأنها لوحة فسيفسائية واسعة، تتكون من جماعات وعائلات ذات أصول متنوعة، امتزجت عبر القرون ضمن إطار مقدسي جامع. وقد توارت كثير من الفوارق العرقية والأصلية خلف اللغة العربية المشتركة، والعادات الاجتماعية المتقاربة، والانتماء إلى المدينة، والارتباط بتاريخها ومقدساتها.

فالقدس ليست مدينة عائلة واحدة، ولا طبقة واحدة، ولا أصل واحد، بل هي مدينة عائلات كثيرة؛ قديمة وحديثة، علمية وشعبية، ثرية ومتواضعة، قدمت من الخليل ونابلس وغزة والقرى المحيطة، أو استقرت فيها من أقاليم عربية وإسلامية مختلفة، ثم أصبحت جميعها جزءاً من الهوية المقدسية.

ومع استمرار الصراع مع الاحتلال، ازداد تمسك سكان القدس بانتمائهم إلى مدينتهم، وأصبح اسم القدس ذاته جامعاً لهويتهم، مهما تنوعت أصولهم العائلية والعرقية. فشرف الانتماء إلى القدس لا يرتبط بالنسب وحده، بل بالصمود فيها، والدفاع عنها، والمحافظة على هويتها العربية والإسلامية والمسيحية، بوصفها مدينةً للمرابطين، وأولى القبلتين، وثالث الحرمين الشريفين.