- 10 أيلول 2026
- مقابلة خاصة
بقلم : نائلة الوعري
في الثامن من أيلول/سبتمبر 2026، أعلنت الحكومة البريطانية أنها تعدّ استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية غير قانوني، وأنها ستمنع استيراد منتجات المستوطنات غير القانونية، وتحظر الترويج لعقاراتها داخل بريطانيا، وتتخذ إجراءات ضد الأفراد والشركات التي تدعم الاستيطان أو تسهله أو تستفيد منه. كما فرضت عقوبات على مستوطنين متطرفين دعموا أعمال عنف ضد الفلسطينيين أو شاركوا فيها.
وذهبت الحكومة البريطانية أبعد من مواقفها السابقة عندما وافقت على وصف ما يجري في أجزاء من الضفة الغربية بأنه تطهير عرقي للفلسطينيين تمارسه جماعات من المستوطنين، في ظل صمت الحكومة الإسرائيلية أو دعم بعض أعضائها لعمليات التهجير القسري.
غير أن هذا الموقف جاء بعد صمت بريطاني طويل ومواقف متذبذبة تجاه معاناة الفلسطينيين، ولا سيما خلال الحرب على غزة، حين لم تتناسب السياسات والإجراءات البريطانية مع حجم ما تعرض له الشعب الفلسطيني من قتل وتجويع وتهجير وتدمير. ولذلك فإن أهمية الخطوة الراهنة لا تمحو ذلك التاريخ، ولا تعفي بريطانيا من مسؤوليتها السياسية والأخلاقية عما جرى ويجري في فلسطين.
وجاء الرد الإسرائيلي سريعًا وغاضبًا، بإعلان إغلاق القنصلية البريطانية العامة في القدس الشرقية وإنهاء عدد من أوجه التعاون مع بريطانيا. ولم يكن قرار الإغلاق إجراءً إدارياً بل عقاباً سياسياً واضحاً على انتقال لندن، ولو جزئيًا، من بيانات الإدانة إلى إجراءات تمس المشروع الاستيطاني ومصالح الداعمين له.
وتكمن المفارقة الأعمق في أن إسرائيل تعاقب اليوم الدولة التي أدّت قنصليتها دوراً تاريخيًا في حماية المهاجرين اليهود، ثم انتقلت في عهد الانتداب إلى رعاية المشروع الصهيوني وتهيئة الظروف السياسية والإدارية لاستقراره في فلسطين.
غير أن دلالة هذا الحدث تتجاوز مصير القنصلية نفسها؛ فبريطانيا، ومعها دول غربية أخرى أسهمت في التنظير للمشروع الصهيوني وحمايته، بدأت تواجه النتائج التي ترتبت عليه. فالكيان الذي احتُفي بقيامه بوصفه حلًا للمسألة اليهودية في أوروبا قام على أرض شعب آخر، ثم كشفت سياساته المتعاقبة عن طبيعة استيطانية توسعية لم تتوقف عند حدود سنة 1948 أو سنة 1967، بل امتدت إلى مصادرة الأرض وهدم البيوت وتوسيع المستوطنات وتهجير الفلسطينيين، أصحاب الأرض وسكانها الأصليين.
لفهم دلالة هذا الموقف، لا بد من العودة إلى بدايات الحضور البريطاني في فلسطين. فقد برز الاهتمام البريطاني بها خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر، في إطار التنافس الأوروبي على الدولة العثمانية وممتلكاتها، ولا سيما بلاد الشام. وقد أتاحت الامتيازات الأجنبية للدول الأوروبية توسيع نشاطها التجاري والديني والسياسي، ومنحت القناصل مجالًا واسعًا للتدخل وحماية الأفراد والجماعات المرتبطين بدولهم.
وفي 11 تشرين الثاني/نوفمبر 1837، وجّه وزير الخارجية البريطاني اللورد بالمرستون رسالة إلى السفير البريطاني في إسطنبول، اللورد بونسونبي، يوضح فيها أهمية تعيين قنصل بريطاني في القدس. وبعد مفاوضات مع الدولة العثمانية، صدر الفرمان سنة 1838 بإنشاء القنصلية، وعُيّن وليم يونغ أول قنصل بريطاني في المدينة.
جاء ذلك قبيل مؤتمر لندن سنة 1840، وما ترتب عليه من تغيرات في موازين القوى في المنطقة وإنهاء حكم محمد علي وإبراهيم باشا في بلاد الشام. ومنذ تلك المرحلة أخذ النفوذ الأوروبي، وفي مقدمته النفوذ البريطاني، يتوسع في فلسطين من خلال القنصليات والبعثات الدينية والتجارية والاستكشافية.
ولم يكن اختيار القدس اعتباطيًا؛ فقد أرادت بريطانيا موطئ قدم في مدينة ذات مكانة دينية وسياسية استثنائية، ومركزًا لحماية مصالحها واستقبال رعاياها وزوارها، إلى جانب دعم الحضور البروتستانتي وتوسيعه. غير أن نشاط القنصلية تجاوز هذه الأهداف إلى رعاية اليهود وحمايتهم، ولا سيما القادمين من روسيا وأوروبا الشرقية.
وتكشف الوثائق التي اعتمدتُ عليها في كتابي «دور القنصليات الأجنبية في الهجرة والاستيطان اليهودي في فلسطين 1840–1914» أن القناصل البريطانيين في القدس، في فترة ما قبل وعد بلفور، تلقوا توجيهات بمنح اليهود الحماية البريطانية ومساعدتهم على الهجرة وتوسيع عدد المقيمين منهم في القدس. وتوسع القنصل البريطاني جيمس فن في هذه السياسة؛ إذ ذهب إلى أبعد من ذلك، فاستقبل في ميناء حيفا السفن التي حملت المهاجرين من أوروبا، وأعدت القنصلية ملفات خاصة باليهود الروس، وأحصت أعدادهم وسجلتهم في سجلات منفصلة، وعملت على شمولهم بالحماية القنصلية. ولم تقتصر الحماية على الجانب القانوني، بل امتدت إلى تحسين ظروف إقامتهم وتسهيل استقرارهم، ومنح بعضهم وثائق سفر أو صفة قانونية ترتبط ببريطانيا. وهكذا لم تكن القنصلية مجرد مراقب محايد للهجرة اليهودية، بل أدّت دورًا في توفير الغطاء السياسي والقانوني لها. واتخذ الحضور البريطاني صورًا أخرى؛ فقد أرسلت بريطانيا في سبعينيات القرن التاسع عشر بعثة فنية أجرت مسحًا واسعًا لأراضي فلسطين من الشمال إلى الجنوب. ولم تكن أعمال المسح والاستكشاف منفصلة عن التنافس الاستعماري، بل وفّرت معرفة دقيقة بالأرض والسكان والطرق والموارد، وأصبحت لها لاحقًا قيمة سياسية وعسكرية واستيطانية.
ولم يكن وعد بلفور سنة 1917 بداية مفاجئة لسياسة بريطانية جديدة، بل جاء تتويجًا لمسار طويل سبق قيام الحركة الصهيونية بوصفها تنظيمًا سياسيًا عالميًا. فما قامت به القنصلية البريطانية خلال القرن التاسع عشر من حماية وتشجيع وتسهيل للهجرة أسهم في تهيئة الأرض السياسية والقانونية للموقف البريطاني اللاحق.
ومع احتلال بريطانيا فلسطين ثم فرض الانتداب عليها، لم تعد لندن بحاجة إلى تنفيذ سياستها من نافذة قنصلية أجنبية؛ فقد أصبحت هي صاحبة السلطة والإدارة، وانتقل الدور البريطاني من الحماية القنصلية غير المباشرة إلى الرعاية الرسمية للمشروع الصهيوني.
وقد ألزم صك الانتداب بريطانيا بتهيئة الظروف اللازمة لإقامة "الوطن القومي اليهودي" ، ونصت مادته السادسة على تسهيل الهجرة اليهودية وتشجيع استيطان اليهود في الأراضي، بما فيها أراضي الدولة والأراضي غير المطلوبة للأغراض العامة. وهكذا تحولت المبادرات التي بدأت بالحماية القنصلية إلى سياسة تمارسها سلطة الانتداب بأجهزتها الإدارية والتشريعية والأمنية.
وما تصفه بريطانيا اليوم بالتطهير العرقي ليس حدث منفصل عن الماضي، بل امتداد لمنطق بدأ بالهجرة المحمية والاستيطان المنظم، ثم تحول إلى اقتلاع مستمر للسكان الأصليين وإحلال المستوطنين مكانهم.
ومع ذلك، ينبغي ألا نحمّل الموقف البريطاني الأخير أكثر مما يحتمل، أو نتعامل معه وكأنه قطيعة مع إسرائيل أو انقلاب كامل في السياسة البريطانية. فالسفارة البريطانية ما زالت قائمة في تل أبيب، والعلاقات السياسية والتجارية والأمنية بين البلدين مستمرة. وقد تكون هذه خطوة سياسية إيجابية، لكنها لا ترقى، حتى الآن، إلى مستوى التحول الاستراتيجي في السياسة البريطانية تجاه إسرائيل والقضية الفلسطينية.
وقد أكدت الحكومة البريطانية نفسها أن إجراءاتها تستهدف المستوطنات والنشاط الاقتصادي المرتبط بها، لا إسرائيل، وأنها حريصة على استمرار التجارة والعلاقات الأكاديمية والعلمية والاستثمارية معها. كما أعلنت رفضها حملة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات «BDS».
لذلك، فإن المطلوب قراءة الخطوة بقدر من الترحيب والحذر في الوقت نفسه: الترحيب لأنها تنقل الاعتراض على الاستيطان من الأقوال إلى بعض الإجراءات العملية، والحذر لأنها لا تعني أن بريطانيا قررت قطع علاقتها بإسرائيل أو مراجعة سياستها التاريخية مراجعة شاملة.
ونحن، كفلسطينيين وعرب، كثيرًا ما نسارع إلى الاحتفاء بأي موقف دولي يعترض على إسرائيل، نتيجة شعورنا بأن العالم ترك الفلسطيني وحيدًا زمنًا طويلًا. لكن التجربة تدعونا إلى ألّا نبني آمالًا واسعة على خطوة واحدة، وألّا نعوّل على موقف قد يتغير بتغير الحكومات والانتخابات والجرائم المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني.
فالمعيار ليس الخطابات ولا ردود الفعل الإسرائيلية الغاضبة، بل استمرار الإجراءات وتوسيعها وتحويلها إلى سياسة ثابتة وملزمة، تحاسب الاحتلال على الاستيطان والتهجير والجرائم المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني. فأي تحول دولي لا يكتسب معناه بما يثيره من غضب إسرائيلي، بل بما يوفره من حماية فعلية لحقوق الشعب الفلسطيني على ارضه

