• 7 أيلول 2026
  • من اسطنبول

 

 

اسطنبول – أخبار البلد – كتب أحمد هيمت

يتشرف مكتب "أخبار البلد" في القدس بالإعلان عن اتفاق مع الصحفي والكاتب الفلسطيني جودت مناع، الذي يزور مدينة إسطنبول منذ فترة، لنشر مقالات أسبوعية خاصة تشكل في حقيقتها فصولاً من رواية "ظلال على البوسفور" وهي قيد الكتابة، تستلهم أجواء المدينة التي تُعد من أجمل مدن العالم وأكثرها سحراً، تلك المدينة التي تأسر قلوب زائريها منذ اللحظة الأولى التي تطأ فيها أقدامهم أرضها.

ونحن في "أخبار البلد" سعداء بهذه الثقة التي منحنا إياها الصديق الصحفي والكاتب المبدع جودت مناع باختيار منصتنا لنشر فصول روايته المرتقبة، والتي نأمل أن تجد طريقها إلى القراء قريباً.

وسيكون لقرائنا الأعزاء موعد أسبوعي متجدد مع هذه الفصول، التي تأخذهم في رحلة أدبية وإنسانية عبر شوارع إسطنبول وأحيائها وحكاياتها

والآن نترككم مع الحلقة الثانية.

بعد ليلتين أمضيتهما في فندق كلاريون، حيث كنت قد وصلت إلى إسطنبول لحضور مؤتمر، غادرت الفندق وانتقلت إلى شيشلي وفي مقهى سوسا بحثت عن البيت الذي استأجرته في بشكتاش ثم اتجهت إليه ليلا. لم أكن قد عرفت المدينة بعد إلا من نافذة سيارة أو من طريق عابر يقودني إلى مكان المؤتمر. أما الآن فقد أصبح لي بيت صغير أعود إليه، وحيّ أستطيع أن أخرج منه بلا موعد، وأمشي في شوارعه كما يفعل أهل المدينة.

في ذلك الظهيرة، خرجت من البيت متأخرًا، وقلت لنفسي إن أفضل طريقة للتعرف إلى بشكتاش هي أن أمشي فيها بلا خريطة.

كان شعوري غريبًا.

لم يكن غريبًا عن المدن. فقد عرفت مدنًا كثيرة، وجلست في مقاهيها، والتقيت أشخاصًا من بلدان مختلفة، وتحدثت معهم، واختلفت معهم، وضحكت معهم. كنت أجد دائمًا لغة مشتركة تفتح الطريق إلى الآخر، حتى لو لم تكن اللغة لغتهم الأولى أو لغتي الأولى.

أما هنا، فكانت المسألة مختلفة.

كنت أمشي بين الناس، أرى الوجوه، ألتقط الإشارات والابتسامات، وأسمع الكلام من حولي، لكن الكلمات نفسها كانت تقف على مسافة مني. اللغة التركية كانت جديدة عليّ، وأنا لا أملك مفاتيحها بعد.

اكتشفت أن الغربة ليست دائمًا أن تكون بعيدًا عن الناس. أحيانًا تكون الغربة أن تكون بينهم، وأن تسمع أصواتهم ولا تستطيع أن تدخل إلى عالمهم بالكلمات.

مضيت على مهل في شوارع بشكتاش. انعطفت يسارًا مع انحدار الطريق، حتى بلغت تقاطعًا تتفرع منه الشوارع كأنها حكايات تبحث عن رواة. كانت المقاهي والمطاعم تملأ المكان، والشباب والصبايا يتحركون في كل اتجاه، والسيارات تمر على مهل أو تستعجل طريقها، فيما كانت الواجهات الزجاجية تعكس حركة المدينة.

وسط ذلك كله، استوقفتني لوحة صغيرة:

Coffee Talks.

كان الاسم كافيًا لإثارة فضولي.

ابتسمت وأنا أقرأه. مقهى اسمه «حديث القهوة»، أو «أحاديث القهوة»، في مدينة لا أستطيع فيها أن أخوض حديثًا باللغة التي يتحدث بها أهلها.

دخلت.

لم أتوقع أن أجد نفسي جالسًا وحيدًا على أريكة تتوسطها منضدة صغيرة، وإلى جانبها مقعد خشبي يكفي لشخص آخر لم يأتِ.

توقفت لحظة أمام المشهد.

كانت الطاولة تبدو وكأنها تنتظر حوارًا مؤجلًا، أو صديقًا تأخر كثيرًا عن موعده.

جلست.

كان المقهى صغير المساحة، لكنه واسع بالحياة. قسمه الداخلي محاط بالزجاج، فيما ينفتح قسم آخر على الشارع العريض المكتظ بالمارة. طلبت كأسًا من القهوة الأمريكية المثلجة وزجاجة مياه معدنية، ثم تركت عيني تتجولان في المكان.

من حولي كانت الأحاديث تتدفق بين الشباب والصبايا. ضحكات تتعالى، وكلمات تتشابك، وأصوات بلغات مختلفة تمر من أذني ثم تبتعد. كنت أراقب حركة الشفاه أكثر مما أستمع إلى الكلمات، كأنني أحاول أن أفهم اللغة من إيقاعها.

وفجأة وجدت نفسي أفكر في شيء لم أفكر فيه بهذه الطريقة من قبل.

كم هي اللغة جسر هائل بين البشر!

كلمة واحدة يمكن أن تفتح بابًا مغلقًا، وجملة قصيرة يمكن أن تجعل غريبين يتعارفان، وضحكة مشتركة يمكن أن تختصر مسافة قطعتها الطائرات والسفن والقطارات.

تذكرت أشخاصًا التقيتهم في بلدان أخرى. كنت أستطيع أن أتحدث معهم، أو أجد لغة مشتركة تجمعنا. أما هنا، فقد جلست وسط عشرات الأشخاص، لكنني شعرت بأن بيني وبينهم جدارًا شفافًا لا أستطيع عبوره.

لم يكن الجدار من زجاج المقهى.

كان من الكلمات.

قلت في داخلي: لا بد أن أتعلم التركية.

لم تكن الفكرة قرارًا كبيرًا في تلك اللحظة، لكنها كانت بداية سؤال سيبقى معي: كيف يمكن للإنسان أن يعيش في مدينة جديدة من دون أن يتعلم شيئًا من لغتها؟ وكيف يمكن أن يحب مدينة إذا ظل واقفًا خارج كلماتها؟

ابتسمت لنفسي وأنا أتأمل المفارقة.

ما الذي جاء بي إلى مقهى يحمل اسم «Coffee Talks»، بينما لا أملك فيه سوى حديث داخلي طويل؟

كان الأمر طريفًا ومؤثرًا في آن واحد.

بين عشرات الأصوات من حولي، كان الحوار الوحيد الذي أفهمه هو ذلك الذي يدور في داخلي.

بقيت قليلًا أراقب التفاصيل الصغيرة: ابتسامة النادل الخجولة، وقع الأكواب على الطاولات، حركة المارة خلف الزجاج، وأصوات المدينة التي تتسلل إلى الداخل مع كل مرة يُفتح فيها الباب.

لم أعد أشعر أنني وحيد تمامًا.

ربما لأنني بدأت أكتشف أن بعض الأماكن لا تمنحك رفقة الآخرين، بل تمنحك فرصة للجلوس مع نفسك.

وحين غادرت المقهى، كان المساء قد بدأ يهبط على بشكتاش.

خرجت إلى الشارع، فوجدت إسطنبول في واحدة من حالاتها التي أحببتها منذ الأيام الأولى: مدينة لا تنام دفعة واحدة.

الليل هنا لا ينتهي فجأة. يطوي الزمن على مهل، كمن يخشى أن يوقظ الفجر قبل أوانه. والناس يتبعون خطواته الأخيرة، يلتقطون ما تبقى من عتمته الخفيفة قبل أن تبتلعها شمس يوم جديد.

في بشكتاش، بدت المدينة وكأنها قررت أن تؤجل النوم ليلة أخرى.

الأرصفة تضيق بالمارة، والمقاهي تفيض بروادها، والأحاديث تتشابك فوق الطاولات كما تتشابك أضواء المحال في الواجهات الزجاجية.

كانت رائحة إسطنبول حاضرة في كل مكان: قهوة طازجة، ونسيم بحر قادم من البوسفور، وأسياخ شاورما تدور بصبر، وباعة محار يزينون بسطاتهم بحبات الليمون الصفراء، كأنهم يزينون ذاكرة المدينة نفسها.

عند محطات الحافلات، كان البعض يستعجل طريق العودة، فيما بدا آخرون وكأنهم يستعدون لبداية سهرة جديدة.

وعلى الجانب الآخر من الحي، توزعت مجموعات من الشبان والشابات على أرصفة الحانات والمقاهي، يتحدثون ويضحكون، ويحتسون مشروباتهم، غير معنيين كثيرًا بالوقت.

هنا لا يسير الناس فوق الرصيف فحسب.

إنهم يتركون فوقه شيئًا من حياتهم.

ضحكة عابرة، موعدًا، نقاشًا لم يكتمل، حلمًا صغيرًا، أو قصة لن يعرفها أحد.

وأنا أمشي بينهم، شعرت أن بشكتاش تذكرني بأماكن أخرى عشت فيها أو مررت بها.

ذكرتني بالحي اللاتيني في باريس؛ ذلك الركن الذي تتجاور فيه الكتب والأفكار والموسيقى والوجوه القادمة من كل الجهات.

وذكرتني بشارع الحبيب بورقيبة في تونس، حيث تمشي الأشجار بمحاذاة التاريخ، وتجلس المقاهي على ضفاف الذاكرة، وتتحول الأرصفة إلى منصات مفتوحة للحوار والاختلاف والتأمل.

لكن بشكتاش كانت تحتفظ بشيء يخصها وحدها.

هي لا تشبه أحدًا تمامًا، حتى عندما تذكّرك بمدن أخرى.

فيها تختلط أصوات الباعة بصفارات العبارات البحرية، وتمتزج لهجات الزوار بلهجة أهل المدينة، ويصبح التنوع جزءًا من الإيقاع اليومي للمكان.

وفي تلك الأمسية، بدت المدينة وكأنها تستعيد ذاكرتها أيضًا.

كانت تركيا تستعد لذكرى مرور عقد على إفشال محاولة الانقلاب عام 2016، وكانت آثار تلك الذكرى حاضرة في الذاكرة العامة. عشر سنوات مضت على تلك الليلة التي خرج فيها الناس إلى الشوارع دفاعًا عن خيارهم ومستقبلهم.

ومع تزامن الذكرى مع عطلة نهاية الأسبوع، بدا المشهد وكأن المدينة تجمع بين الذاكرة والحياة؛ تتذكر ما جرى، لكنها لا تسمح للذاكرة أن توقف نبضها.

كان في وجوه الناس شيء من الطمأنينة، وفي حركة الشوارع شيء من الثقة.

فالأمم، مثل البشر، تتذكر جراحها لا لتعيش فيها إلى الأبد، بل لتتعلم كيف تتجاوزها.

وإسطنبول، التي عرفت الانقلابات والزلازل والحروب والتحولات الكبرى، كانت تمضي في ليلها كأنها تقول إن المدينة تستطيع أن تتذكر، وأن تواصل الحياة في الوقت نفسه.

تابعت السير.

ومع كل خطوة كنت أقترب من البحر.

كلما اقتربت من البوسفور، تبدلت رائحة المكان.

ظهرت عربات الذرة المشوية والمسلوقة والكستناء التركية الساخنة قرب الطريق المؤدي إلى الشاطئ. كان الباعة يقفون خلف عرباتهم الصغيرة بثقة من اعتادوا المكان والزبائن والمساءات الطويلة.

توقفت لحظة أمام إحدى عربات الذرة.

كان قدر كبير يغلي بالماء، ينتشل منه البائع أكواز الذرة الصفراء بمهارة، فيما كان دخان الشواء يتصاعد من عربة أخرى، مختلطًا برائحة البحر.

ثم واصلت طريقي.

وفجأة انفتح المشهد أمامي.

البوسفور.

كان البحر مختلفًا عن كل ما رأيته قبل تلك اللحظة، ليس لأنه البحر الأول الذي أراه، وإنما لأنني كنت أراه من قلب مدينة معلقة بين قارتين.

عند أرصفة العبارات في بشكتاش، كان الصيادون يقفون في مواجهة الماء والانتظار. ألقوا صناراتهم في المضيق بصبر طويل، وراقبوا الخيوط الممتدة نحو الأعماق كأنها جسور خفية تصلهم بأسرار البحر.

كانت العبارات تمخر المياه ذهابًا وإيابًا بلا انقطاع، وترسم خلفها خطوطًا بيضاء سرعان ما تذوب في الزرقة.

وحين تقترب إحدى العبارات من الرصيف، كان الصيادون يسارعون إلى انتشال خيوطهم وطعومهم قبل أن تبتلعها دوامات المياه التي تتركها السفينة وراءها.

وبين الصيادين والبحر كانت القطط حاضرة كعادتها.

تجلس على حافة الرصيف أو تتجول بين أقدام الصيادين بثقة من يعرف أن البحر كريم، وأن نصيبه سيصل في النهاية. وبين حين وآخر تلقى إليها سمكة صغيرة أو بقايا طعم، فتبدو وكأنها شريكة قديمة في هذا الطقس البحري اليومي.

رفعت عيني إلى المضيق.

ناقلات النفط والسفن التجارية واليخوت والقوارب الصغيرة تتقاطع في الممر المائي الذي يصل البحر الأسود ببحر مرمرة. كانت الحركة كثيفة إلى درجة جعلتني أشعر أن صفحة الماء نفسها لا تتسع لكل هذه الحكايات.

ثم بدأ النهار ينحني نحو الغروب.

على الجانب الآخر من البوسفور، أخذت أوسكودار تشتعل بالأضواء.

وقفت أتأملها طويلًا.

كانت التلال مضاءة، والبيوت والمباني تبدو من بعيد كأنها نقاط ضوء متناثرة، فيما انعكست الأنوار على صفحة الماء المرتجفة.

كان المشهد جديدًا عليّ.

جديدًا إلى درجة أنني شعرت أنني لا أكتشف أوسكودار فقط، بل أكتشف إسطنبول بطريقة أخرى.

وقتها، حدث شيء لم أكن أتوقعه.

وجدتني أفكر في يافا.

يافا التي أعرفها من الذاكرة، المدينة الفلسطينية الواقعة على شاطئ المتوسط، والتي أصبحت تحت الاحتلال منذ عام 1948.

لماذا يافا؟

لم يكن السؤال يحتاج إلى إجابة.

ربما لأن البحر لا يعرف الحدود التي يرسمها البشر.

وربما لأن المدن الساحلية، مهما ابتعدت عن بعضها، تتحدث أحيانًا باللغة نفسها: لغة الموانئ، والنوافذ المفتوحة على الماء، والغرباء الذين يصلون ويرحلون، والناس الذين يقفون طويلًا أمام البحر كأنهم ينتظرون شيئًا لا يعرفون اسمه.

كانت أوسكودار أمامي.

وكانت يافا في مكان آخر.

لكنني شعرت للحظة أن بينهما خيطًا خفيًا يمتد فوق الماء، من المتوسط إلى البوسفور.

مدينة أمام عيني، ومدينة تسكن ذاكرتي.

وقفت أراقب أوسكودار، وأشعر بأنني اكتشفت شيئًا جديدًا عن المدن، وربما عن نفسي أيضًا.

لم تعد إسطنبول بالنسبة إليّ مجرد مدينة جئت إليها لحضور مؤتمر، ثم استأجرت فيها بيتًا مؤقتًا.

بدأت تتحول شيئًا فشيئًا إلى مدينة أستطيع أن أضع فيها جزءًا من ذاكرتي، وأن أبحث فيها عن مدن أخرى غابت عن عيني ولم تغب عن داخلي.

فوق البوسفور، ظهر القمر من سماء صافية.

كان نصفه المضيء يراقب الماء، فيما استمرت العبارات في رحلاتها بين الضفتين.

لم يتوقف البحر.

ولم تتوقف بشكتاش.

الصيادون ما زالوا متعلقين بخيوطهم، والقطط تنتظر رزقًا متأخرًا، والمقاهي تستقبل روادها، والناس يمشون تحت الأضواء كأن الليل ليس سوى مساحة إضافية للحياة.

وأنا، الذي دخلت في ذلك اليوم مقهى اسمه «كوفي توكس» لأجلس وحيدًا، وجدت نفسي في نهاية المساء واقفًا أمام بحر يصل بين قارتين، أفكر في اللغة والمدينة والذاكرة.

فهمت أن الغربة لا تعني بالضرورة أن تكون بعيدًا عن الناس.

قد تعني فقط أنك لم تجد بعد الكلمة التي تفتح الباب.

وفهمت أيضًا أن المدينة لا تكشف أسرارها كلها في اليوم الأول.

أحيانًا تحتاج إلى مقهى صغير، وطاولة تتسع لشخصين، ومقعد فارغ، وشارع لا ينام، وبحر يقود عينيك إلى ضفة أخرى، حتى تكتشف أن المكان الذي جئت إليه غريبًا يمكن أن يبدأ، ببطء، في أن يصبح جزءًا منك.

عندما عدت إلى البيت تلك الليلة، بقي اسم المقهى في ذاكرتي:

Coffee Talks.

ابتسمت.

ربما لم أكن قد تحدثت مع أحد في ذلك المقهى.

لكنني تحدثت مع نفسي.

والأهم أنني بدأت أتعلم كيف أصغي إلى مدينة لا تزال لغتها مجهولة بالنسبة إليّ.

كانت تلك، ربما، أول محادثة حقيقية بيني وبين إسطنبول.