• 7 أيلول 2026
  • أقلام مقدسية

 

بقلم :  تحسين يقين

من الطبيعيّ أن نتغيّر، فنتعلّم من الدروس خصوصا المؤلمة منها، ولكن هناك من يأبى ذلك، أكان عدوّا أو صديقا؛ فكيف لم يتعظّ بما نعيشه؟ ومن ذا الذي تسوّل له نفسه أن يستمرّ في الطريق نفسها التي لم نصل من خلالها إلى شيء يذكر.

عشنا من العمر ما يكفي لاستخلاص بعض العبر، ولمن سبقنا استخلاصاته التي منّا من استمع لها ومنّا من زهد بها؛ ففي مراحل الصراع الدمويّ هنا، من خلال حرب الاحتلال علينا، كنّا، والجيل الذي سبقنا، رأينا وشاهدنا من خل مستويات وعينا، كيف أن الرّهان العربي والفلسطينيّ على نتائج انتخابات دولة الاحتلال كان رهانا خاسرا؛ فلم تتغير عقلية الاحتلال في العمق. لذلك في ظل هذا العناد، ينبغي أن نخفف من الرهان على نتائج الانتخابات.

من الآخر، إن أفضل ما لدى من ينجح في تكوين ائتلاف سياسيّ، هو إبداع خبيث آخر فيما تتقنه حكومات الاحتلال، من إدارة الصراع، وليس في هذا جديدا.

من ناحية أخرى، فإن أقصى ما ستقدّمه حكومة الاحتلال القادمة، أنها ستخفف من تعذيبنا، هناك في غزة والضفة الجريحتين. وسيكون الثمن غاليا، بحيث تستغل حكومة الاحتلال القادمة الحالة الصعبة أمنيا واقتصاديا لعمل ترتيبات تكون نتيجتها إدامة عمر الاحتلال، وتخفيف استحقاقات التسوية السياسية الى الحدّ الأدنى. أي هي ستطلب منا تقديم تنازلات استراتيجية بحدّ أقصى، مقابل تقديم الحدّ الأدني في تحسين الحياة اليومية لنا. وعليه، فإنها بمباركة أمريكية وأوروبية، تسعى إلى برمجتنا قيادة وشعبا، للقبول بذلك، بمعنى أن ما تم من اتفاقية تخص غزة، والتي تمّت تحت التهديد، سيتكر ما يتعلّق بالضفة الغربية، علما أنّ ذلك لو تمّ فإنه لن يؤدي الى تسوية بل الى المزيد من التعقيدات، والتي ستقود الى وضع جديد، لن يصبّ فعلا في تحقيق الهدف الاستيطانيّ.

سنصل قريبا، أو ربما وصلنا إلى وضع بات ينقلب فيه السحر على الساحر، وهو الدولة الواحدة على هذه الأرض، التي تبدأ بعدالة محدودة، بسبب العنصرية، ثم مع الزمن يتغيّر كل شيء، وبذلك تنتهي الصهيونية. وسنكون أمام مفارقة غريبة؛ فالصهيونية التي أسست دولة الاحتلال، ستكون من خلال أفعالها هي من تنهيها.

في حقبتي الخمسينيات والستينيات، وصل مفكرون وقيادات وطنية فلسطينية الى إمكانية وجود هذه الدولة الواحدة، والمتقصّي في هذه المسألة يجد ذلك أيضا قبل عام 1948، وإن كان ذلك بدا خجولا. وقد كان ذلك مثار جدل واقتتال فكريّ وسياسيّ؛ ففي البدء كان يتم الحديث عن دولة فلسطينية علمانية يعيش فيها الجميع، ثم استمر ذلك بالمنطلق نفسه، ما جعل دولة الاحتلال بالطبع ترفض ذلك، ثم كان ما كان من حديث فلسطينيّ (وإسرائيلي بشكل محدود) عن الدولة الواحدة ثنائية القومية، وهو الذي ما زال مطروحا، والذي ما تزال دولة الاحتلال ترفضه. ولكن يبدو أن ليس كل ما هو مرفوض يظل كذلك.

لقد سرّع غلاة التطرّف في دولة الاحتلال ما فعلته حكومات الاحتلال من قبل، فأوصت الحال إلى طريق مسدود أو مليء بالعقبات بالنسبة لحلّ الدولتين، والذي يعني أصلا صعوبة قبل الشعب الفلسطيني بحلّ الحكم الذاتي المحدود، وفصل قطاع غزة عن الضفة الغربية. لذلك وفي الوقت الذي ترفض دولة الاحتلال حلّا سياسيا إنسانيا يضمن حلّ قضايا الحلّ الدائم، ويجنّب البشر هنا مآس دموية لا أحد يعرف نتائجها، وفي الوقت الذي لن يقبل الشعب الفلسطيني في فلسطين التاريخية أن تنتقص كرامته، فإننا ميعا أمام استحقاق دوليّ باتجاه فعل تدخّل عالمي لإنهاء العنصرية والبدء بفصل جديد نتخلص فيه جميعا من شرور الاحتلال والعنصرية.

أما طرق ذلك، أن ستصفو النوايا، فهو كل ما من شأنه إعادة الأمل بالحياة، واحترام الإنسان، ويمكن أن يتمّ بتدرّج، ولن يكون بحاجة لزمن كثير، بل لقلب كبير:

البدء يكون اليوم بوقف الاعتداءات، ثم خطوات ترتيب وهيكلة للبنى المختلفة، باتجاه الدولة المنشودة، بما يحترم الخصوصيات المتنوعة.

- هل هناك حلّ دائم وعادل وعمليّ آخر؟

- لا أظن!

هنا، يمكن تأمل تاريخ الصراع، في ظل العلاقات الدولية، منذ ما قبل الحرب العالمية الأولى؛ حيث كانت وجود دولة الاحتلال لتقوم بدور وظيفيّ، فإذا قرأنا التحوّلات العالمية، سنجد أن استمرار الصراع هنا هو مصلحة استعمارية من جهة، ومصلحة اقتصادية لدول الاستعمار من جهة أخرى. فهل سنصل الى مرحلة فيها صفاء نوايا للدول الكبرى، بحيث تحقّق مصالحها بدون اللجوء لتوظيف الصراع الدائر في فلسطين منذ قرن؟

سؤالان:

- حل سيظل الصراع هنا مرهونا بالوفاق الدولي؟

- هل حلّ الصراع هنا، سيؤدي إلى الوفاق الدولي، باعتبار أن "الحرب تندلع من فلسطين، والسلم يبدأ من فلسطين"، كما اختتم بها الشهيد ياسر فات خطابه في الجمعية العام للأمم المتحدة في نيويورك عام 1964، أي قبل 52 عاما؟

وعليه، يمكن للذاهبين إلى صناديق الانتخابات هذا الخريف، أن يختاروا مصيرهم، بعيدا عن الاحتلال، بإسقاط المتطرفين، لأن ذلك يمكن أن يساهم في حلّ قضية خلقها الاستعمار وعاش يقتات على مراحلها، موظفا الصراع لمصالحه، لا يؤثّر عليه من يُقتل، وعلى يدّ من؟

"من كان له بصر فليبصر، ومن كان له سمع فليسمع"، وعليه، لا بدّ من تدخّل دولي لأن عقل الاحتلال لم ينضج لا إنسانيا ولا سياسيا.

والبلاد بلادنا، هي هنا، فمن سيعيش فيها عيشا إنسانيا، فسيستطيع، أما من يريد استيطانها، فسيكون هذا مؤقتا، ولو استمر عقودا.