• 26 حزيران 2026
  • في إيتلية

 

موسكو - أخبار البلد - كتب المراسل الخاص :  

لقد شكلت أعمال الفنان إيفان ميخائيلوفيتش يامبيردوف جسراً فريداً بين تقاليد شعب جمهورية ماري والثقافة الفنية الروسية الأوسع، لوحاته ليست مجرد صور، بل هي تأملات عميقة في الجذور والذاكرة والتواصل بين الأجيال. وقد بات التضامن مع الشعب الفلسطيني جزءاً لا يتجزأ من موقفه الاجتماعي والفني، إذ يُعبّر من خلال فنه عن العدالة والذاكرة والحق في الوطن. 

 من هو هذا الفنان ؟ 

وُلد إيفان يامبيردوف في قرية تشودرايال (كاراماسي)، مقاطعة فولجسكي، جمهورية ماري الاشتراكية السوفيتية ذاتية الحكم. ومنذ صغره، انجذب إلى الإبداع، ففي عام 1971 ، تخرج من مدرسة الموسيقى والفنون الداخلية رقم 1  في مدينة يوشكار-أولا، ثم واصل دراسته في كلية يوشكار-أولا للفنون (دفعة 1975 )، وحصل على تعليمه العالي في معهد موسكو الحكومي للفنون الذي يحمل اسم “ف. إ. سوريكوف” في ورشة “يو. ك. كوروليف” وهو فنان مرموق ومدير معرض تريتياكوف.

لقد تركت هذه الرحلة ( اي الانتقال من الريف إلى إحدى أبرز مدارس الفنون في البلاد ) بصمتها على جميع أعمال يامبيردوف اللاحقة، فقد تعلم أن يرى العظمة في الصغير، وأن يجد الملحمة في العادي، وأن ينقل روح وطنه بالألوان 

تتسم أعمال إيفان يامبيردوف بتعدد جوانبها، فهو يعمل في مجالات رسم البورتريه والمناظر الطبيعية والرسم السردي، مستكشفًا مواضيع وطنية، لكنه لا يحصر نفسه أبدًا في حدود الرسم الإثنوغرافي الضيقة، يُجسّد فنه فهمًا حقيقيا لثقافة الماري من خلال منظور القيم الإنسانية العالمية. 

من أبرز أعماله لوحات "يوم الزفاف"، و"بيت الأب" (1987)، واللوحة الثلاثية "صوت الأرض" (1991)، و"التأمل" (1992)، و"الصيف الهندي" (1996). وتحتل لوحة "الاحتفال في الساحة"، التي يبلغ طولها مترين، مكانةً خاصة، وقد رُسمت عام 1984 بمناسبة الذكرى الأربعمائة لتأسيس مدينة يوشكار-أولا: إذ ينقل هذا العمل الفني الضخم أجواء احتفالٍ عارمٍ في المدينة، حيث تُشكّل كل شخصية جزءًا من نسيجٍ حيٍّ واحدٍ من الحياة الشعبية. 

وكان من أبرز جوانب موهبة يامبيردوف عمله في المسرح. فمنذ عام 1985، تعاون مع مسرح م. شكيتان ماري الوطني للدراما كمصمم إنتاج، حيث صمّم عروضًا مسرحيةً مقتبسةً من مسرحيات” س. شافين ول. يانداكوف”  هنا، برز جانب آخر من موهبته، وقدرته على خلق بيئة مسرحية لا تقتصر على تصوير الأحداث فحسب، بل تصبح جوهرها العاطفي. 

 فلسطين في فن إيفان يامبيردوف 

يُعدّ إيفان ميخائيلوفيتش صديقًا مُخلصًا للشعب الفلسطيني، ويتجلى هذا الموقف بوضوح في مسيرته الفنية. فقد شارك في أكثر من 65 معرضًا دوليًا في روسيا وخارجها، جمعتها جميعًا فكرة دعم الشعب الفلسطيني والتضامن معه.

 كما أنه عضو في مشروع "فلسطين بعيون فنانين روس وأجانب" ذي الأهمية الثقافية الدولية، وكان من أبرز المشاركين فيه منذ بدايته، فلقد أُقيم أول معرض للمشروع في 15 مايو/أيار 2021 في دار الصداقة بين الشعوب في تشيبوكساري، حيث قدّم يامبيردوف ستة أعمال فنية رائعة لاقت استحسانًا كبيرًا من الجمهور والنقاد. 

ومن أبرز هذه الأعمال لوحة "فلسطين - أم الكون" هذا ليس مجرد عمل فني، بل تحفة فنية حقيقية، جابت عشرات المدن الروسية واحتلت مكانة مركزية في المعارض حول العالم وفي  هذا العمل، رسم يامبيردوف صورة متعددة الأبعاد لفلسطين: 

• النكبة الفلسطينية - كذاكرة تاريخية وألم للشعب الفلسطيني؛ 

• أشجار الزيتون - كرمز للصمود والحياة والارتباط بالوطن؛ 

• شعراء فلسطينيون عظام، من بينهم معين بسيسو - كصوت ثقافة لا تُمحى؛ 

• مخيمات اللاجئين - كواقع مرير يستدعي الاهتمام والتعاطف؛ 

• الحصان - كاستعارة لحلم العودة إلى الوطن وفلسطين حرة. لطالما استقطبت هذه اللوحة الجماهير، واختارتها وسائل الإعلام مرارًا وتكرارًا كصورة رئيسية لتقارير المعارض. إنها تجمع بين موهبة يامبيردوف الفنية والتزامه المدني: فهو يؤمن إيمانًا راسخًا بالعدالة وبحرية الشعب الفلسطيني واستقلاله التام  

التقدير والجوائز 

حظي إيفان ميخائيلوفيتش، بفضل موهبته وتفانيه في الفن، بتقدير مستحق، حيث نال: 

• جائزة الفنان المُكرّم لجمهورية ماري الاشتراكية السوفيتية (1991) لمساهمته في تطوير الثقافة الوطنية. 

• جائزة أ. ف. غريغورييف الحكومية لجمهورية ماري إل (1993) لإنجازاته الفنية المتميزة.

• فنان روسيا الاتحادية المكرّم (2004) – تقديرًا لدوره في الحركة الفنية الروسية.

• الجائزة الوطنية "المعرض الروسي - القرن الحادي والعشرون" (2015، فئة "البورتريه") – لإتقانه تصوير العالم الداخلي للإنسان. 

• فنان الشعب لجمهورية ماري إيل (2020) – أرفع جائزة في الجمهورية، تقديرًا لأهميته في مدرسة ماري للفنون. 

كما تجاوزت شهرة أعمال إيفان يامبيردوف حدود ماري إيل وروسيا. فقد أقيمت معارضه الفردية في إستونيا وفنلندا والمجر وألمانيا، كما تُعرض أعماله في متاحف ومجموعات خاصة ليس فقط في روسيا، بل أيضًا في فنلندا واستونيا والمجر وإيطاليا. وهذا يدل على أن لغة لوحاته مفهومة وقريبة من مختلف الشعوب، فهي تجسد الهوية الوطنية والروح الإنسانية العالمية. 

الفنان حارس الذاكرة 

ما يُميّز أعمال يامبيردوف انها تناوله موضوع الذاكرة، فلوحاته "بيت الأب"، وصوره الشخصية، ومشاهد الحياة القروية، ليست مجرد رسومات حنينية، بل هي محاولة لحفظ ونقل إحساس المرء بجذوره إلى الأجيال القادمة. تخلو لوحاته من المبالغة العاطفية، لكنها صادقة للغاية: فهو يصوّر أناسًا عاديين، وأعمالهم، واحتفالاتهم، وتأملاتهم، وفي هذه اللحظات اليومية، يكشف عن جمال الحياة الحقيقي. 

يعيش إيفان ميخائيلوفيتش ويعمل اليوم في يوشكار-أولا، ويواصل مشاركته الفعّالة في الحياة الفنية للجمهورية والبلاد.

 يُوقّع أعماله أحيانًا باسم مستعار هو "إي. يامبيردي"، ولكن بغض النظر عن توقيعه، يبقى أسلوبه واضحًا: فلوحاته تُعبّر عن حبه لوطنه واحترامه لتاريخه. 

إيفان يامبيردوف ليس مجرد فنان، بل هو صوت حقيقي لأرض  لوحاته تُعبّر عن أهمية تذكر الجذور، وتقدير التقاليد، وإيجاد الجمال في الحياة اليومية. مشاركته في مشاريع ومعارض دولية مُخصصة لفلسطين تُبرهن على أن الفن يُمكن أن يُصبح لغة تضامن، وجسرًا بين الشعوب، وصوتًا لمن يسعون لتحقيق العدالة.