- 22 نيسان 2026
- حكايات مقدسية
بقلم : الباحث الشيح مازن اهرام
استهوتني معرفة أصول الكلمات التي تدور على ألسنتنا في كل يوم من غير أن ندرك معانيها ومصادرها. وفي ما بعد علمتُ أن "التأثيل" هو ردّ الكلمة إلى اللغة التي أُخذت منها. لكن التأثيل، على أهميته في الدراسات اللغوية وفي إعداد المعاجم والقواميس، لم يشفِ غليلي في استكشاف كثير من المفردات الجارية. والمشهور أن اللغات، خصوصًا المتجاورة، يقترض بعضها من بعض، لكنها لا تأخذ ما اقترضته كما هو، بل تنتقي ما يلائمها، ثم تغيّر فيه وتبدّل، وتجريه مجرى لسانها حتى يبدو كأن لا صلة له بالأصل وعلى سبيل المثال كلمة الدومري
درجت الأمثال المتوارثة والمتداولة في فلسطين و بلاد الشام و مدينة غزة عبارة جذرها عثمانية (ولا الدومري)
وهو عامل إنارة الشوارع قبل دخول الكهرباء، كانت وظيفته إشعال الفوانيس مساءً وإطفاؤها قبيل الفجر، وغالبًا ما كان يحمل عصًا طويلة مزودة بفتيل أو أداة إشعال وربط الكلمة ب “دميرجي أو ألفاظ دارجة تحوّرت صوتيًا في العربية العامية
ومثل هذه التحويرات شائعة في اللهجات الفلسطينية و الشامية، حيث تُبدَّل الأصوات لتناسب النطق المحلي، فتحوّلت الكلمة مع الزمن إلى (دومري) في التركية العثمانية
الدومري كان علامة زمنية يومية تشير إلى انتقال المدينة من النهار إلى الليل وجوده ارتبط بـ النظام الحضري التقليدي قبل الحداثة الكهربائية
وهي من الأمثلة الجميلة على كيف تتحول وظيفة مهنية بسيطة إلى رمز ثقافي في الذاكرة الجمعية إحساس بالوحشة والانقطاع
تُعدّ مقولة "ولا الدومري" من التعابير الشعبية التي توائم مدينة القدس وأسواقها و مدينة غزة وجوارها ولبنان وما يجري بها ومن قبلها مدن وقرى فلسطين قاطبةً.......
تُستخدم للدلالة على خلوّ المكان خلوًا تامًا. ويُقصد بالدومري عامل إنارة الشوارع في العصر ما قبل الكهرباء، الذي كان يجوب الأزقة مساءً لإشعال الفوانيس وإطفائها قبيل الفجر. ويبدو أن أصل الكلمة ذو جذور عثمانية تركية، وقد خضعت لتحوير صوتي في اللهجات المحلية حتى استقرّت بصيغتها الدارجة. وقد اكتسبت هذه الشخصية حضورًا رمزيًا في الوعي الجمعي، إذ شكّل مرور الدومري مؤشرًا على استقرار الليل وانتهاء الحركة اليومية؛ ومن ثمّ فإن غيابه في المخيال الشعبي يُعبّر عن أقصى درجات السكون والوحشة، وهو ما تعكسه العبارة المتداولة "الدنيا فاضية… ولا الدومري".
ضبط علمي وعملي ممنهج ووصف الواقع الحديث وعلى تشريد اهل غزة بعد الدمار
غير أن دلالة هذه العبارة شهدت تحوّلًا عميقًا في السياق المعاصر؛ إذ لم تعد تشير إلى سكونٍ ليلي طبيعي، بل باتت تستحضر في المخيال الجمعي صور الفراغ القسري الناتج عن الدمار والنزوح. فقد أدّت الحروب المتعاقبة وما رافقها من تدمير واسع للبنية العمرانية إلى تفريغ أحياءٍ كاملة من سكّانها، وتحويل الفضاء الحضري من حيّزٍ نابض بالحياة إلى مشهدٍ خالٍ تتردّد فيه آثار الغياب. وفي هذا السياق، تغدو عبارة "ولا الدومري" تعبيرًا مجازيًا مركّبًا، يجمع بين الذاكرة التراثية للمدينة وبين واقعها الراهن، حيث لم يعد غياب المارّة نتيجة حلول الليل، بل نتيجة فقدان الاستقرار وتشريد السكان يفترشون الأرض ويلتحفون السماء" و حالات النزوح القسري، اللجوء و الفقر المدقع. وانعدام المأوى الآمن، حيث ينام الأشخاص في العراء دون خيام أو أغطية تقيهم قسوة الظروف الجوية، وهو واقع يعيشه آلاف النازحين في غزة ولبنان فبأي حق تُهدَر كرامة هؤلاء، ولماذا يعانون هذه المعاناة المرة في السلم والحرب،
لعلها تنتهي معاناة الناس المُشردين الآن، وتتوقف الحرب ويتوقف التدمير والتهجير، و أن يعودوا من سُكنى العَراء، إلى ديارهم التي تشكل معنى الحياة لهم، فهم حين يكونون خارجها، يكونون مثل نبتَةٍ اجتُثَّت من جذورها وعُلِّقت في الشمس والريح وزوابع القفار(فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية)
وعليه، يمكن فهم هذه المقولة بوصفها نموذجًا لتحوّل الدلالة الشعبية من توصيفٍ يومي بسيط إلى رمز ثقافي يعكس التغيّرات التاريخية والاجتماعية العميقة؛ إذ انتقلت من التعبير عن هدوء المدينة التقليدية إلى الإيحاء بفراغها القسري في ظل الأزمات المعاصرة، بما يحمله ذلك من معانٍ تتصل بالفقد والاقتلاع وإعادة تشكيل الذاكرة الحضرية.
تُفهم الذاكرة الحضرية ضمن حقل الدراسات الأنثروبولوجية والتاريخية بوصفها نتاجًا تراكميًا للتجارب اليومية والرموز الثقافية التي تتجسد في الفضاء المديني. وهي لا تقتصر على المعالم المادية (كالأحياء والأسواق)، بل تشمل أيضًا اللغة الشفوية، والأمثال، والعادات التي تشكّل "أرشيفًا حيًا" للمدينة. ومن هذا المنظور، تمثّل الأمثال الشعبية أدوات دلالية مكثفة تختزن خبرات جماعية وتعيد إنتاجها عبر الأجيال، بما يجعلها وسيطًا لفهم التحولات العميقة في بنية .في سياق غزة التقليدية قبل التحولات الحديثة، ارتبطت الأمثال بالحياة اليومية المنتظمة، حيث عكست إيقاع المدينة ووظائفها الحضرية. وتندرج مقولة "ولا الدومري" ضمن هذا الإطار، إذ تشير إلى خلوّ المكان استنادًا إلى شخصية الدومري، عامل إنارة الشوارع، الذي كان يشكّل علامة زمنية لانتقال المدينة إلى طور السكون الليلي وعليه، فإن المثل يعكس انتظام الزمن الحضري (ليل/نهار)
مع دخول غزة في سلسلة من التحولات السياسية العنيفة خلال القرن العشرين والحادي والعشرين—وما رافقها من حروب واحتلالات وتغيرات ديموغرافية—بدأت البنية الحضرية التقليدية بالتفكك. ولم يعد التغير مقتصرًا على العمران، بل امتد إلى الذاكرة نفسها بوصفها حاملة للمعنى في هذا السياق، شهدت الأمثال الشعبية تحوّلًا في دلالاتها من توصيف حالات طبيعية (كالهدوء الليلي) إلى التعبير عن حالات قسرية (كالنزوح والدمار)
فعبارة "ولا الدومري" لم تعد تشير فقط إلى سكون الليل، بل أصبحت تُستدعى لوصف فراغ الأحياء نتيجة التهجير أو التدمير، ما يعكس انتقالًا من زمن دوري طبيعي إلى زمن قَلِق غير مستقر أدّت موجات الدمار المتكررة في غزة إلى تغيّر جذري في شكل المدينة ووظيفتها. فقد تحوّلت أحياء كاملة من فضاءات سكنية نشطة إلى مناطق مهدّمة أو مهجورة، الأمر الذي أفرز ظاهرة يمكن توصيفها بـ"الفراغ الحضري القسري وهنا تبرز العلاقة الجدلية بين التدمير واختفاء المكان ففي غياب المكان الفيزيائي، تصبح الذاكرة—ومنها الأمثال—وسيلة لإعادة تخيّل المدينة واستحضارها
إن تشريد سكان غزة من أحيائهم، سواء بشكل مؤقت أو طويل الأمد، أسهم في نقل الأمثال من سياقها المحلي الضيق إلى سياق أوسع يتقاطع مع تجربة الفقد الجماعي وفي هذا الإطار، يمكن قراءة "ولا الدومري" بوصفه كما أن تداول هذا المثل في سياقات النزوح يعكس قدرة الثقافة الشعبية على التكيّف مع الأزمات وإعادة شحن الرموز القديمة بدلالات جديدة إن تتبّع تحوّل دلالة الأمثال الشعبية في مدينة غزة يتيح فهمًا أعمق لعلاقة الإنسان بالمكان في ظل الأزمات. فحين يختفي المكان أو يتغيّر، لا تختفي الذاكرة، بل تعيد تشكيل نفسها عبر اللغة. ومن هنا، تغدو الأمثال—ومنها "ولا الدومري"—وثائق حيّة تسجّل تحولات المدينة، ليس فقط في عمرانها، بل في وجدان سكانها أيضًا

