• 1 تشرين الثاني 2026
  • حكايات مقدسية

 

بقلم : الدكتور علي قليبو 

مع عودة تشرين تنتظم الدورة الزراعية في فلسطين، وتبدأ الأرض استعادة صلتها بالمطر بعد انقطاع أشهر الصيف. ليست أمطار الخريف مجرد تحول مناخي عابر؛ إنها بداية دورة إنتاجية واجتماعية كاملة، تتحدد بمواقيت الحراثة والبذر، ثم متابعة المزروعات وحماية الماشية والموارد، وصولاً إلى الحصاد وتخزين المؤونة. ومن هنا لا يمكن فهم التقويم الزراعي القديم بوصفه جدولاً زمنياً لتوزيع الأعمال الزراعية فحسب، بل باعتباره معرفة متراكمة نشأت من المعايشة الطويلة للأرض ومراقبة أحوال السماء، وانتظمت في علاقة متبادلة بين المنظومة الاجتماعية الريفية ومحيطها الطبيعي.

يقدم تقويم جيزر شاهداً كتابياً مبكراً على هذا الإدراك الزراعي. فالرقيم الحجري الصغير، المؤرخ تقليدياً إلى القرن العاشر قبل الميلاد، يسجل فترات متعاقبة من السنة مرتبطة بقطاف الزيتون وزراعة الحبوب والبذر المتأخر وقطع الكتان وحصاد الشعير والقمح والعناية بالكروم وجني ثمار الصيف (Albright, 1943). وتكمن أهميته في أنه لا يسجل أسماء الشهور بمعزل عن حياة الناس، بل يربط الزمن بالعمل والإنتاج (van Rensburg, 2011). ومع ذلك، ينبغي ألا نحمّله أكثر مما يحتمل؛ فالقراءات اللغوية لبعض ألفاظه ووظيفته الدقيقة ما زالت موضع نقاش، كما أن نسبته اللغوية والثقافية لا تحسم بمجرد تسميته تقويماً كنعانياً أو فينيقياً، بخلاف إسقاط تصنيفات قومية أو تاريخية إحلالية لاحقة بهدف الاستحواذ على التراث والتاريخ الفلسطيني. إنه شاهد من جنوب بلاد الشام على تنظيم السنة الزراعية، لا وصف تفصيلي شامل لكل أنظمة الزراعة في فلسطين (Albright, 1943).

إن ما يكشفه تقويم جيزر الزراعي يتصل بمعرفة أقدم من الكتابة نفسها. فلسطين شهدت استقراراً ممتداً للجماعات البشرية من نطوفيين وكنعانيين وعموريين، حيث تكيفت أنماط عيشهم وتنقّلهم مع جغرافية المكان وتبدّل فصوله. تقدم مغارة شقبا في وادي النطوف شاهداً أساسياً على الثقافة النطوفية، التي سبقت الزراعة المستقرة بالمعنى المعروف في العصر الحجري الحديث (Garrod, 1942). كشفت حفريات دوروثي غارود (Dorothy Garrod) عن طبقات أثرية تعود إلى هذه الثقافة، بما فيها من بقايا المنازل الحجرية المستديرة ومصاطبها المنظمة، إلى جانب ترتيب الحجارة في دوائر أولية لرصد الزمن ومراقبة الاعتدال والانقلاب الموسمي المرتبطين بالدورة الزراعية، قروناً عديدة قبل ظهور الرجم والدلمن. لا يعني ذلك أن النطوفيين كانوا قد امتلكوا نظاماً زراعياً مكتملاً أو تقويماً زراعياً مدوناً؛ بل إن أهمية الموقع تكمن في إظهار مرحلة تاريخية مبكرة من التحول في علاقة الإنسان بجغرافية وطبيعة فلسطين كبيئة حاضنة، تمخضت عن نشأة أولى خبرات الاستقرار المكاني، وتدجين مزروعات وحيوانات معينة تلائم خصائص هذا المحيط (Garrod, 1942).

يتصل بسياق التعاقب الاستيطاني وتراكم الخبرات المعيشية موقع حاتولا الأثري قرب اللطرون، حيث كشفت الحفريات عن تعاقب استيطاني يضم مكونات من العصر النطوفي الحديث ومراحل من العصر الحجري الحديث ما قبل الفخاري (Lechevallier et al., 1989). وقد وثقت أعمال مونيك لوشيفالييه (Monique Lechevallier) وزملائها طبيعة هذا التعاقب، وما يرافقه من منشآت وأدوات حجرية. ولا يصح اختزال الموقع in كونه دليلاً مباشراً على نشوء الزراعة المكتملة؛ فالأدلة تشير إلى تحولات متدرجة في أنماط الاستقرار واستغلال الموارد، لا إلى انتقال مفاجئ من الصيد إلى الفلاحة. وهذه الدقة ضرورية لفهم المسار التاريخي: فالزراعة لم تظهر في فراغ، بل سبقتها خبرات طويلة في جمع النبات ومعالجته وتخزينه، ومراقبة مواسمه، معرفة المواضع التي توفر الغذاء والماء (Lechevallier et al., 1989).

تكتسب أنماط التنقل الرعوي بعداً إقليمياً إضافياً في ضوء الدراسة المنشورة عام 2026 حول رجم الهري والبنى الحجرية الدائرية في هضبة الجولان. فقد أعاد كل من ميشال بيركنفيلد (Michael Birkenfeld) وأولغا خاباروفا (Olga Khabarova) وليف إيبّلباوم (Lev V. Eppelbaum) وأوري برغر (Uri Berger) دراسة المنشآت الحجرية البازلتية الدائرية في الجولان، وحددوا أكثر من ثلاثين بنية إضافية ضمن نطاق يقارب خمسة وعشرين كيلومتراً (Birkenfeld et al., 2026). تبين الدراسة ارتباط عدد من هذه المنشآت بمصادر المياه الموسمية وبنظم استخدام الأرض الرعوية والزراعية (Birkenfeld et al., 2026). هذه نتيجة مهمة؛ لأنها تنقل رجم الهري من صورة الموقع المنعزل إلى قراءة المشهد الأثري في سياقه الجغرافي الأوسع (Birkenfeld et al., 2026). لكنها لا تثبت أن جميع هذه المنشآت كانت مراصد فلكية أو ساعات زراعية، ولا تحسم وظيفتها الواحدة؛ إذ تظل التفسيرات الجنائزية والطقسية والفلكية موضع بحث (Birkenfeld et al., 2026).

تتيح الشواهد الأثرية المتكاملة في مغارة شقبا وحاتولا ورجم الهري تتبع تطور معرفة الإنسان بالمجال الطبيعي، من مراقبة المواسم واستغلال الموارد إلى تنظيم الاستقرار والإنتاج. غير أن الانتقال من هذا التعاقب الأثري المادي إلى إثبات استمرارية ثقافية مباشرة بين النطوفيين والكنعانيين والأدوميين والأنباط والمجتمع الريفي المعاصر يحتاج إلى حذر منهجي (Lipiński, 2006). التاريخ لا يسير في خط مستقيم، ولا تكفي مشابهة الأدوات أو أشكال المنشآت لإثبات وحدة الجماعات أو العقائد. ما يمكن تتبعه على نحو أكثر صلابة هو استمرار أهمية الأرض والماء والموسم في تشكيل أنماط العيش، وتراكم الخبرة في المجال الفلسطيني، مع تغير الجماعات واللغات والأنظمة السياسية والدينية عبر العصور (Said, 1978).

تبرز شخصية بعل في هذا الإطار بوصفها إحدى أهم الصور الدينية التي عبّرت عن الصلة بين السماء والأرض في المشرق القديم. فبعل، في النصوص الأوغاريتية، إله العاصفة والمطر، وترتبط سلطته بقدرته على إنزال الغيث وإخصاب الأرض. تظهر ملحمة بعل صراعه مع يم، إله البحر، في سياق تثبيت سلطانه على الكون، ثم تعرض صراعه مع موت، الذي يرتبط بالموت والغياب والانقطاع. هنا ينبغي التمييز بين الصراعين: فمواجهة يم تتصل بإقرار السيادة والنظام، أما مواجهة موت فتتيح قراءة أوسع لدورة الغياب والعودة وما يرتبط بها من انقطاع المطر وتجدد الحياة.

قرأ ثيودور غاستر (Theodore H. Gaster) ملحمة بعل وموت بوصفها أسطورة طبيعية تجسد تعاقب المطر والجفاف في السنة السورية؛ فجعل انتصار بعل عودةً للمطر بعد أشهر الجفاف، وربط بداية سلطانه بمطلع موسم الأمطار (Gaster, 1939). هذه قراءة مؤثرة في تاريخ تفسير النصوص الأوغاريتية، وتنسجم مع الوظيفة المطرية لبعل، لكنها تظل تفسيراً حديثاً للنص، لا تقويماً زراعياً حرفياً دوّنته الألواح الأوغاريتية. العلاقة بين الأسطورة والدورة الزراعية لا تقوم على التطابق الزمني بين أحداث الملحمة ومواعيد الحراثة والحصاد، بل على البنية الرمزية التي تجعل المطر شرطاً للتجدد، وتجعل انقطاعه صورةً للغياب والموت (Gaster, 1939).

يتصل اسم بعل بداجان اتصالاً يستحق الوقوف عنده. النصوص الأوغاريتية تصف بعل في مواضع بأنه «ابن داگان»، فيما ترد له صلات نسبية أخرى ضمن مجمع الآلهة (Ayali-Darshan, 2013). ناقشت نوجا أيالي-دارشان (Noga Ayali-Darshan) هذه المسألة، مبينةً أن العلاقة بين بعل وداجان لا يمكن اختزالها في نسب بسيط أو في افتراض أن أحدهما حل محل الآخر. تقترح دراستها قراءة تقارن التقاليد الأوغاريتية بنظائر حورية-حثية وفينيقية، حيث تظهر فكرة الأبوة المزدوجة لإله العاصفة (Ayali-Darshan, 2013). تكتسب هذه المناقشة أهميتها من أن داگان يرتبط في عدد من التقاليد القديمة بالحبوب والغلال؛ غير أن ذلك لا يجيز اختزال شخصيته في إله زراعي صرف. الصلة بين داگان والحبوب ذات قيمة في فهم البنية الدينية والاقتصادية، لكن الاشتقاق اللغوي يحتاج إلى أدلة مستقلة، ولا يصح إقامة تطابق بين ألفاظ متقاربة في العربية واللغات السامية القديمة من دون مسار لغوي موثق.

تنبع أهمية بعل في هذا السياق من كونه إلهاً للمطر والخصوبة، وموقعه في تصور العلاقة بين قوى السماء وخصوبة الأرض. فالصاعقة ليست في الوعي الزراعي مجرد ظاهرة جوية؛ إنها علامة على الاعتدال وبدء زمن جديد، وعلى عودة الماء إلى التربة بعد انقطاعه. مع أولى أمطار تشرين تبدأ الحراثة، ويتهيأ التراب استقبال البذار، وتدخل الجماعة الزراعية في دورة جديدة من العمل والانتظار الرعاية. ما بين البذر والحصاد تمتد شبكة من الأعمال والمعارف والعلاقات الاجتماعية، تشمل توزيع العمل، وصيانة الحقول، ورعي الماشية، وتدبير الماء، وحفظ الغلال. هكذا تصبح الأسطورة صياغة رمزية لعلاقة مادية عميقة، لا حكاية منفصلة عن شروط الحياة.

يقدم معجم المزارعين المعاصر شاهداً لافتاً على رسوخ مصطلح «البعل» في الحياة اليومية. فالقمح البعلي والزيتون البعلي والتين البعلي هي محاصيل تعتمد في نموها على مياه المطر ورطوبة التربة، بخلاف المزروعات التي تحتاج إلى الري المنتظم. توثق دراسات الجغرافيا الفلاحية في المشرق استمرار استعمال مصطلح «بعلي» في وصف الحقول والمحاصيل التي تعتمد على المطر والندى (Dalman, 1928). هذا الاستمرار اللغوي مهم في قراءة التاريخ الثقافي؛ إذ يكشف بقاء مصطلح قديم في معجم الإنتاج الزراعي. لكنه لا يثبت وحده استمرار عبادة بعل أو انتقال عقيدة دينية بعينها عبر آلاف السنين. استمرار اللفظ في الاستعمال الزراعي شيء، واستمرار المعتقد الديني شيء آخر؛ وبينهما مجال واسع من التحول الدلالي والاجتماعي.

تتجلى معرفة الأسرة الريفية بالموسم في التمييز بين الأرض التي تعتمد على المطر وتلك التي تتوافر لها مصادر مائية أخرى، وفي توزيع المحاصيل وفق طبيعة التربة والانحدار والارتفاع. فالزراعة البعلية ليست مجرد غياب للري؛ إنها نظام معرفة يتضمن اختيار المحصول، وتوقيت البذر، وقراءة المطر، وحفظ رطوبة الأرض، استعمال المدرجات والمصاطب والخزانات والصهاريج. في المرتفعات الجبلية، حيث تتباين التربة وتشتد الانحدارات، نشأت طرائق متوارثة لدى المزارعين في استغلال المجال الزراعي والرعوي، وفي تنظيم الحركة الموسمية بين القرى والخِرَب والمراعي. تظهر هذه المعرفة في تفاصيل العمل اليومي، من الحراثة وقطع الحطب إلى الحصاد وتخزين الغلال.

تتجسد هذه المنظومة المادية في خزين الحبوب كما تتبينها في المطامير، وهي حفر أو مخازن أرضية استُعملت لحفظ الحبوب، والخوابي الفخارية الكبيرة التي حفظت الزيت والزيتون والدبس وسائر المؤونة. لم تكن هذه الوسائل مجرد أدوات تخزين؛ فقد ارتبطت باقتصاد متكامل يهدف إلى حماية الفائض الزراعي، بوصفه إجراءً عادياً للحفاظ على المؤونة وتأمين الاستهلاك اليومي والسنوي المعتاد للجماعة (Dalman, 1928). تظهر هذه الممارسة تاريخياً في مخازن القمح العظيمة الحجم والمستودعات المركزية المكتشفة في تقويم جيزر، وحاصور، وتل بئر السبع، وتلك المحفورة في جوف الأرض في بيت جبرين، قبل أن تفرض التحولات السوسيو-اقتصادية انكماشاً في بنية التضامن الاجتماعي، متمثلة في تحول العشيرة الممتدة إلى حامولة، لينحصر التخزين تدريجياً في المطامير الداخلية للبيت الفردي أو الكهف الملحق به، وصولاً إلى الخوابي السطحية (Dalman, 1928). كشف هذا النمط التكيفي في تنظيم المجال المعماري والإنتاجي عن تكامل سكن الكهوف مع بناء المنازل والمطامير جنباً إلى جنب، كبنية دفاعية معيشية واحدة ما زالت شواهدها المادية قائمة في وجدان بلدة السموع وجغرافيتها الحية. تكشف المطامير المحفورة في الصخر الجوفي، والمكسوة بطبقات من الطين والقش لمنع تسرب الرطوبة، عن آلية ذكية لعزل الحبوب عن الأكسجين وتأمين حفظها لسنوات طويلة دون تلف. يتكامل هذا التخزين الجوفي مع التخزين السطحي المتمثل في الخوابي الفخارية المصنوعة من طين الأرض المحلي، والتي شكلت بحد ذاتها كيمياء للاستقرار من خلال الحفاظ على درجة حرارة ثابتة للمؤونة السائلة كزيت الزيتون والدبس (Dalman, 1928). إن هذا التداخل بين السطح والجوف يعكس اقتصاداً بيئياً منظماً يتجاوز الممارسة العفوية إلى كونه نتاج معرفة تراكمية متوارثة طوّرها المزارع الفلسطيني لحماية إنتاجه التشاركي وثمرة عمله فوق أرضه، مستعصياً عبر هذه البنى المادية الصامتة على محاولات الاقتلاع ومصادرة قنوات عيشه الأساسية (Said, 1978).

 

من بعل وداجان إلى قوس وذو الشَّرَى وديونيسوس

تفكيك هذا الموروث المادي والروحي يقودنا مباشرة إلى مصدر الإلهام الأثري الأبرز المتمثل في نصب «بعل الصاعق» المحفوظ في متحف اللوفر بباريس (AO 15775). تختزل هذه اللوحة الحجرية المكتشفة في أكروبوليس أوغاريت وجدان المجتمع الزراعي القديم وبنيته العقائدية والمادية؛ حيث يظهر الإله معتمراً خوذته المقرنة بقرون الثور التي ترمز للخصوبة والقوة الرعوية، وهو يرفع هراوته بيد، بينما يغرس بيده الأخرى صاعقة مدببة في الأرض تتبرعم من عمودها أوراق شجر خضراء، في إحالة صريحة صاغها من منظور علم الإنسان الحضاري والمادي كل من كلود شيفير (Claude Schaeffer) ورينيه ديسو (René Dussaud) إلى أن الصاعقة والمطر هما الرحم المفجر لنبات داجان وغلاله الكامنة في باطن الأرض (Schaeffer, 1949). يتعمق هذا الترابط الأنثروبولوجي المادي بتتبع ملحمة انتصار بعل على يم، إله البحار والفيضانات العشوائية والاضطراب؛ وهو ما جسّد الانحياز البنيوي لنمط الاستقرار الزراعي المنظم والتحالفات القبلية اللامركزية في مواجهة الفوضى الطبيعية والتهديدات البيئية المتربصة بجغرافيا الساحل والظهير الجبلي، حيث غدا الاستقرار البشري فوق الأرض والقدرة على حماية الفائض ثمرةً لهذا التوازن المكتسب (Thompson, 1999).

تكامل هذا الاتحاد البيئي والنمط الإنتاجي اللامركزي تجلى قديماً في التعبير المجازي المتواتر في المتون النصية القديمة كالتوراة بوصف الأرض أنها «تفيض حليباً وعسلاً»؛ وهو مجاز يختزل الوجدان المادي لسكان فلسطين الأوائل، حيث يحيل الحليب مباشرة للوجود الرعوي وحركة الأغنام في المنحدرات والبادية، بينما يحيل العسل لزراعة الأشجار والكروم وعسل النحل البري أو دبس العنب والتين (Thompson, 1999). تماهى هذا الوصف بنيوياً مع مفهوم الأرض المباركة في المتن القرآني، حيث ترتبط البركة بهطول الغيث من السماء وتفجر ينابيع الأرض لإنتاج ثنائية غلال الزرع ووفرة الأنعام، بما يعيد تلك الأوصاف إلى سياقها الأنثروبولوجي المتجذر في طبيعة جغرافيا فلسطين ونظامها الإنتاجي التشاركي (Glueck, 1965).

لم تتوقف الوظيفة المطرية لبعل، المرتبط تاريخياً بالمطر والخصوبة، عند حدود الساحل الكنعاني، بل امتدت وتطورت بنيوياً في الظهير الجبلي والجنوبي لفلسطين عند الأدوميين في جبال سعير، ليتحول بعل في وعيهم الرعوي والدفاعي إلى إلههم القومي قوس (Lipiński, 2006). اشتقاق اسم قوس يحمل دلالة مزدوجة تجمع بين قوس قزح الذي يزين السماء معلناً انقشاع العاصفة الرعدية وبدء الحياة، وبين قوس المحارب الذي يحمي جغرافيا القبيلة ومراعيها المهددة من التعدي الخارجي؛ فحوّل الوجدان الأدومي الصاعقة الكنعانية التقليدية إلى قوس وسهام تطلقها السماء لتهب الأرض خصوبتها وأمنها (Lipiński, 2006). هذا التراكم البنيوي بلغ ذروته عند الأنباط الذين ورثوا ذات المجال الجغرافي والبيئي، فأعادوا إنتاج لغز الخصوبة من خلال إلههم الأسمى ذو الشَّرَى، المرتبط لغوياً ومحلياً بجبال الشراة الممتدة في جنوب فلسطين والأردن وحواضنهما الرعوية؛ حيث تعني الشرى في اللسان القديم مواضع المياه والزرع الكثيف (Glueck, 1965). وتماهى ذو الشَّرَى النبطي لاحقاً مع ديونيسوس إله الكروم والنماء في العصر الهيلينستي، ليعبر عن الارتقاء الهندسي المتطور للأنباط في إدارة مصائد المياه وزراعة المدرجات الجبلية الوعرة بالعنب والزيتون في النقب وجبال الخليل، وهي منظومات تدبيرية ومنظومات إجرائية وممارسات لاصطياد الماء بهدف الحفاظ على رطوبة الأرض، تعود جذورها البنائية الأولى إلى العصور الكنعانية في العصر البرونزي، ثم الأدومية في العصر الحديدي، حيث طوّع المزارعون الأوائل التشكيلات الصخرية الطبقية لغرس الأشجار ومنع انجراف التربة، وصولاً إلى التوسيع الهندسي النبطي في حفر قنوات التوجيه وتجميع السيول الموسمية ومأسسة الزراعة البعلية (Glueck, 1965; Lipiński, 2006).

يُظهر توثيق هذه الروابط أنثروبولوجياً أن الهوية الفلسطينية لم تنشأ من فراغ، بل تطورت تراكمياً عبر امتداد تاريخي متعاقب بدأ من مجتمعات الصيادين والمزارعين الأوائل كالنطوفيين الكنعانيين والعموريين، الذين شكلت علاقتهم بالأرض وبالمقدس أساس الحضارة المادية والروحية في فلسطين (Thompson, 1999). وحين نتأمل اللوحة التشكيلية المعاصرة التي توثق هذه الجدلية، فإننا نشاهد وثيقة إثنوغرافية حية تنبض بالمحلية الهوياتية، يتجلى فيها حضور بعل مستعصياً على التنميط الاستشراقي ومحاولات الاستيطان الإحلالي ومصادراته اللاحقة، مفنداً كل تصنيف قومي أو تاريخي إحلالي يهدف إلى الاستحواذ على التراث والتاريخ الفلسطيني، دون إسقاط تفاصيل هويته التاريخية وثوابت الاستمرارية الحضارية لسكان الأرض (Said, 1978).

يأتي في هذا السياق دور اللوحة التشكيلية، المستوحاة من شخصية بعل ومن نصب بعل الصاعق الأوغاريتي المحفوظ في متحف اللوفر، لا باعتبارها استعادة أثرية للنصب، بل بوصفها قراءة بصرية معاصرة للعلاقة بين الأسطورة والدورة الزراعية الفلسطينية. ويقدم سجل اللوفر النصب تحت الرقم (AO 15775)، ويحدد موضع اكتشافه في أكروبوليس رأس شمرا، غرب معبد بعل، بتاريخ 28 أيار 1932. ويظهر الإله في هيئة ذات ذراع مرفوعة وصاعقة، ضمن تكوين يضم رموزاً وأدوات أخرى، من بينها الغصن والسلاح والصولجان. وقد استلهمتُ وضعية الجسد من هذا النموذج الأثري، ثم أعدت بناء دلالته ضمن مشهد تتجاور فيه عناصر المطر والبذر والنضوج والحصاد.

يقف بعل في مركز اللوحة بوصفه محور التكوين، رافعاً الصاعقة في يد، وحاملاً سنابل القمح في الأخرى. ليست الصاعقة هنا علامة قوة سماوية مجردة، وليست السنابل تفصيلاً نباتياً مكملاً؛ إنهما طرفا العلاقة التي تقوم عليها الدورة الزراعية: المطر الذي يوقظ الأرض، والغلة التي تجسد استجابتها. وعلى أحد جانبي المشهد تتجاوب الغيوم ويظهر المطر، فيما تنشغل الأسرة الريفية بحراثة الأرض وبذرها، في إحالة إلى بداية الموسم الخريفي. وعلى الجانب الآخر ينقشع المشهد وتشرق الشمس فوق الحقول، وينضج القمح ويبدأ الحصاد. وهكذا تجمع اللوحة مرحلتين زمنيتين متعاقبتين في فضاء بصري واحد، لا لتلغي الفاصل بينهما، بل لتظهر وحدة الدورة التي تربط البذر بالحصاد، والغياب بالعودة، انتظار المطر بوفرة الغلال.

تكتسب المنظومة الاجتماعية الريفية في اللوحة أهمية تتجاوز حضورها التوثيقي؛ فهي ليست خلفية بشرية لمشهد أسطوري، بل الفاعل الذي يحول المطر إلى إنتاج، ويصل بين المعرفة الموسمية والعمل والأرض. كما أن الأثواب المطرزة تستحضر الذاكرة البصرية الفلسطينية بوصفها جزءاً من الحياة اليومية، لا زينة مضافة إلى المشهد. أما الرقيم الحجري الذي يحاكي تقويم جيزر، فيضع المعرفة الزراعية المكتوبة عند قاعدة التكوين، رابطاً بين الذاكرة الأثرية والممارسة الزراعية. وتستعيد الزخارف الهندسية في أسفل اللوحة إيقاعات التطريز والنسيج الفلسطيني، فتغدو جزءاً من بنية العمل البصرية، لا إطاراً زخرفياً منفصلاً عنه.

من هذا المنطلق، لا تسعى اللوحة إلى إثبات أن المزارع الفلسطيني المعاصر يعبد بعل، ولا إلى محو الفواصل التاريخية بين أوغاريت وفلسطين الحديثة. إنها تطرح سؤالاً عن الذاكرة الثقافية وكيفية حضور الماضي في اللغة والممارسة والمشهد الطبيعي، وعن قدرة الفن على إعادة قراءة الشواهد الأثرية من داخل تجربة المكان الحية. فبعل في اللوحة ليس شخصية محبوسة في قاعة أثرية، بل مدخل إلى فهم تاريخ طويل من اعتماد المزارعين على المطر، ومن تنظيم حياتهم حول مواسم الأرض. والقمح ليس رمزاً مجرداً للخصوبة، بل محصول له زمنه وعمله ومخزونه ومكانه في اقتصاد البيت الفلسطيني.

إن لغز الخصوبة لا يكمن، في نهاية المطاف، في أسطورة منفصلة عن الواقع، بل في العلاقة المركبة التي ربطت الإنسان بالأرض والسماء، وجعلت من المطر حدثاً طبيعيًّا واجتماعيًّا وثقافيًّا في آن. ومن شقبا وحاتولا إلى تقويم جيزر الزراعي، ومن بعل وداجان إلى قوس وذي الشرى، وصولاً إلى الزراعة البعلية في فلسطين، تتبدى أهمية دراسة التحولات التي صاغت علاقة المجتمعات بالماء والغذاء والاستقرار. وما تحفظه الذاكرة الفلسطينية من مصطلحات وممارسات وأسماء وأشكال زخرفية لا يقدم وحده برهاناً على استمرارية دينية مباشرة، لكنه يشكل مادة أنثروبولوجية لا غنى عنها لفهم تاريخ المكان وسكانه. في هذه العلاقة بين الشاهد الأثري والخبرة الزراعية والذاكرة الحية، تستعيد الأرض معناها بوصفها مجالاً للإنتاج والانتماء، ويصبح الفن وسيلة لقراءة هذا الامتداد لا لتجميده في صورة ماضٍ منقطع.

 

قائمة المراجع (References)

  • Albright, W. F. (1943). The Gezer Calendar. Bulletin of the American Schools of Oriental Research, 92, 16-26.
  • Ayali-Darshan, N. (2013). The Fatherhood of Dagan in the Ugaritic Baal Cycle and the Hurro-Hittite Parallel Traditions. Journal of Ancient Near Eastern Religions, 13(2), 182-201.
  • Birkenfeld, M., Khabarova, O., Eppelbaum, L. V., & Berger, U. (2026). Reassessing Rujm el-Hiri: Aerial imagery and stone circles in the proto-historic Southern Levant. PLOS ONE, 21(3), e0339952.
  • Dalman, G. (1928). Arbeit und Sitte in Palästina. Bertelsmann.
  • Garrod, D. A. (1942). Excavations at the Shukbah Cave, Palestine, 1928. Proceedings of the Prehistoric Society, 8, 1-20.
  • Gaster, T. H. (1939). 'Ba'al is Risen …': An Ancient Hebrew Passion-Play from Ras Shamra-Ugarit. Iraq, 6(2), 109-143.
  • Glueck, N. (1965). Deities and Dolphins: The Story of the Nabataeans. Farrar, Straus and Giroux.
  • Lechevallier, M., Philibert, D., Ronen, A., & Samzun, A. (1989). Une occupation khiamienne et sultanienne à Hatoula (Israël)?. Paléorient, 15(1), 1-10.
  • Lipiński, E. (2006). On the Skirts of Canaan in the Iron Age: Historical and Topographical Researches. Peeters Publishers.
  • Said, E. W. (1978). Orientalism. Pantheon Books.
  • Schaeffer, C. F. A. (1949). Ugaritica II: Nouvelles études pour servir au déchiffrement des textes de Ras Shamra. Paul Geuthner.
  • Thompson, T. L. (1999). The Mythic Past: Biblical Archaeology And The Myth Of Israel. Basic Books.
  • van Rensburg, J. (2011). The Gezer Calendar as an Agricultural Document. Journal for Semitics, 20(1), 45-61.