- 14 أيلول 2026
- أقلام مقدسية
بقلم : الباحث الشيخ مازن اهرام
يعتبر الابتلاء من الله ظاهرة إنسانية تتجاوز الزمان والمكان، حيث يُختبر الأفراد في مختلف مراحل حياتهم. يتمحور مفهوم الابتلاء حول الاختبارات التي يُمكن أن تُواجه الإنسان سواء كانت في شكل مصائب، أو فقدان، أو معاناة. يُعتبر الابتلاء من الله جزءاً من سنن الحياة، وهو يحمل في طياته معاني عميقة من الحكمة والعبرة ومن خلال الرمزية من باب التورية وإسقاط الأقنعة نقتبس حكاية في زمن يلجأ الإنسان إلى السخرية في الأوقات العصيبة وهي آلية دفاعية نفسية فطرية، واستدعاء أسلوب كليلة ودمنه تحديداً نعكس بها ذكاءً ثنائياً نجمع بين الحماية الذاتية وتمرير الرسائل وحين تصبح الحقيقة المباشرة ثقيلة أو خطيرة، يتحول "القناع" الاستعاري إلى درع وسلاح في آن واحد ولعلنا نجد في التورية وإسقاط الأقنعة مُتنفساً نلفظ عن صدورنا ثٍقل الهموم والآهات نحملها بصمت كأنها أمانة، نخشى البوح بها، ونخاف أن تجرحنا الكلمات إن خرجت نبتسم أحيانًا ونحن ننزف من الداخل، ونضحك كي لا تفضح دموعنا خيباتنا الخفية، في داخلنا معارك لا تهدأ، وحنين لذكريات دفنّاها تحت ركام الكبرياء، كل قلبٍ يُخْفيِ حكاية، وكل نظرة تحمل وجعًا لم يُحكَ، نمشي بثقل الأيام فوق أكتافنا، متظاهرين بالقوة، فيما تنكسر أرواحنا في الخفاء
في كتاب "كليلة ودمنة"، تُنطق الحيوانات بحكم وسياسات وصراعات البشر. عندما يتقمص الإنسان هذه الشخصيات، فهو يمارس التورية السياسية والاجتماعية؛ يقول ما يريد على لسان "ثعلب" أو "أسد" أو "ابن آوى" ليحمي نفسه من عواقب المواجهة المباشرة السخرية القائمة على حكايات الحيوان تُحيل المأساة الواقعية إلى "مشهد عبثي"
تخفيف وطأة الواقع يمكن تارةً الضحك ، والضحك هنا ليس استسلاماً، بل هو وسيلة لسلب القهر قوته وإثبات أن الروح لم تنكسر بعد
الحكمة العميقة في قالب بسيط
هذا الأسلوب يسمح بتمرير نقد لاذع وعميق جداً للواقع، لكنه مغلف بظاهر مسلٍّ وبسيط، مما يجعله عابراً للرقابة (سواء كانت رقابة سلطوية أو رقابة مجتمعية)
إنها محاولة بليغة لإعادة السيطرة على العجز؛ فالمظلوم عندما يسخر من أزمته، فإنه يعلو عليها نفسياً ويجردها من هيبتها المرعبة
اسمحوا لي أستجيز التورية في زمان كَثُر في البلاء
يُحكى أن خِزانة دولة أوشكت على الإفلاس .. خاطب الملك وزيره كيف الخلاص من الإفلاس؟
أجاب الوزير لا عليك سأتدبر أمر الرعية
جمع الوزير تجار المدينة ومن وراء حجاب أخفى تيساً وألبسه سرج حصان ثم أدخل عليه التاجر الأول مُهدداً ومتوعداً وقال له إن أجدت الصواب عفونا عنك وإن لم تُجب سلبنا مالك وأجهزنا عليك
نظر التاجر إلى التيس وأجاب إنه تيس يا سيدي
قال الوزير وهل رأيت تيساُ وعليه سرج خذوه وأجهزوا عليه ,اسلبوا ماله
قال التاجر هذا جُل مالي وأُعفوا عني
دخل التاجر الثاني وقال هذا حصان
قال الوزير يا هذا وهل رأيت حصان له قرون خذوه وأجهزوا عليه ,اسلبوا ماله
قال التاجر هذا جُل مالي وأُعفوا عني
دخل التاجر الثالث ووضع ماله جميعاً على المنضدة
سأله الوزير ما هذا
قال التاجر هذا بلاءٌ أصابنا
في البداية عندما يصيبك البلاء والابتلاء , تحزن وتتألم وتبكي تقول لماذا انا من بين كل الناس
فتغلق كل الأبواب في وجهك , ويخذلك الجميع , ولا يبقى لك غير الله
فقد جاء في كتاب الفرج بعد الشدة للتنوخي
ما أصغر المصيبة بالأرباح، إذا عادت بسلامة الأرواح
إن المصائب ما جاءت لتهلكك إنما جاءت لتمتحن صبرك وإيمانك، والله مع الصابرين.
«ما أصغر المصيبة بالأرباح، إذا عادت بسلامة الأرواح». يعني أن سلامة النفس تهون معها خسارة المال فلا تقلق سوف يأتي اليوم الذي تقف فيه شامخاً للشتات الذي انتثر منك ثم جمعته وسيأتي اليوم الذي تقف فيه مبتسماً للماضي الذي أبكاك فنسيته وسيأتي اليوم الذي تقف فيه قوياً للضعف الذي لازمك كثيراً فهزمته .......
قال الإمام الشافعي: «لا يُمكُن الرجل حتى يُبتلى»، فالتمكين ثمرة للصبر والشدائد
قال ابن القيم: «لو علم العبد أن نعمة الله عليه في البلاء ليست بدون نعمته عليه في العافية، لشغل قلبه بشكره»
اللهم إن أخذت فقد أبقيت فالدنيا دار ابتلاء وليست دار نعيم دائم ولأن البلاء يستخرج خبث النفس ويصيّرها تِبراً خالصاً
قول سفيان الثوري رحمه الله
«لم يفقه مَن لم يعد البلاء نعمة، والرخاء مصيبة»؛ لأن البلاء يکفر الذنوب ويقرب إلى الله، بينما الرخاء قد يكون استدراجاً
قول ابن الجوزي رحمه الله
لا بد من الصبر على البلاء، فالجزع لا يرد المصيبة بل يزيدها إثماً ووجعاً
حكمة لشمس الدين التبريزي( عندما أخبرته أن قلبي من طين سخر مني لأن قلبه من حديد ...قريباً ستمطر وسيزهر قلبي وسيصدأ قلبه!!!
من أسباب البلاء:
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: المعاصي...من أسباب جلب البلاء وخصّ منها الزنا لأنه أعظمها في ذلك.
قال العلامة ابن القيم رحمه الله: قد جعل الله سبحانه نفوس المطمئنين إلى سواه أغراضاً لسهام البلاء ليعلم عباده وأولياءه أن المتعلق بغيره مقطوع والمطمئن إلى سواه عن مصالحه ومقاصده مصدود
أربع يعصمن من البلاء:
خلاصة
يُعتبر الابتلاء من الله جزءًا من رحلة الحياة الإنسانية. من خلال الابتلاءات، يُختبر الإيمان، ويُظهر الصبر، وتُكتسب الحكمة. الابتلاء ليس عقابًا، بل هو وسيلة لرفع الدرجات وتطهير النفس. يجب على الإنسان أن ينظر إلى الابتلاء كفرصة للنمو والتقرب إلى الله، ويدرك أن كل ابتلاء يحمل في طياته دروسًا قيّمة.

