• 16 أيلول 2026
  • أقلام مقدسية

 

 

بقلم :  نائلة الوعري 

حين أتحدث هنا عن الأجيال الجديدة، فإنني لا أحصرها في عقد زمني محدد، بل أعني بصورة خاصة الأجيال الفلسطينية التي لم تعش النكبة والنكسة مباشرة، وإنما ورثت فلسطين ذاكرةً وقضيةً وانتماءً؛ ولا سيما أبناء الثمانينيات والتسعينيات والألفية الجديدة، داخل فلسطين وفي الشتات، ومعهم قطاع واسع من الشباب العربي الذي جعل القضية الفلسطينية جزءًا من وعيه واهتمامه وحضوره.

أعترف أنني لست دائمًا معجبة بكل ما يصدر عن هذه الأجيال؛ فكثير مما يُنشر اليوم تحكمه السرعة، وقد تغيب عنه أحيانًا المعرفة العميقة أو الدقة التي تحتاج إليها القضايا الكبرى. لكن ذلك لا يمنعني من الوقوف بإعجاب أمام شباب واعٍ، متنوّر، دارس ومهتم، استطاع أن يمنح القضية الفلسطينية حضورًا جديدًا، وأن يخاطب العالم بلغة عصره.

جيلنا نشأ في ظل النكبة، وعاش النكسة وما أعقبها من حروب وانتفاضات وتحولات، لكنه لم يكن جيلًا صامتًا أو مكتفيًا بتلقي الأحداث. كان بيننا أساتذة جامعات وباحثون وأطباء ومهندسون وكتّاب وصحفيون، حمل كل منهم فلسطين من موقعه، وكتب عنها ودافع عن حقها وكشف سياسات الاحتلال ومخططاته.

ومنذ النكبة وحتى الحرب على غزة، لم تتوقف الأجيال الفلسطينية عن الكتابة والتوثيق. أصدرنا الكتب والدراسات والصحف والنشرات، وجمعنا الوثائق والروايات الشفوية والصور، وسجّلنا تاريخ مدننا وقرانا وعائلاتنا، وكتبنا روايتنا بأيدينا حتى لا يكتبها الآخر نيابةً عنا أو يطمسها. تصدّينا للعدوان بالكلمة والوثيقة والموقف، ولا نزال نكتب ونوثّق ونواجه حتى اليوم.

لكن الفرق بيننا وبين الجيل الجديد ليس في حضور فلسطين في الوعي، ولا في الإخلاص لها والدفاع عنها، وإنما في الأدوات وسرعة الوصول. كانت الكلمة في زمننا تحتاج إلى صحيفة أو دار نشر أو محطة إذاعية وتلفزيونية حتى تصل إلى الناس، وكانت وسائل الإعلام الكبرى هي التي تقرر ما يُنشر وما يُحجب. أما هذا الجيل، فقد وجد أمامه فضاءً إعلاميًا مفتوحًا، واستطاع أن يحمل إليه ما راكمته الأجيال السابقة من حقيقة ووثيقة وذاكرة، ثم يقدّمه إلى العالم بلغة عصره.

أصبح الهاتف في يد الشاب وسيلة للتصوير والتوثيق والنشر. وعبر «إنستغرام» و«فيسبوك» و«إكس» و«يوتيوب»، ومن خلال «الستوريز» و«الريلز» والبودكاست والبث المباشر، لم يعد الشباب جمهورًا ينتظر الخبر، بل أصبحوا صانعي محتوى وموثّقين ومترجمين وأصحاب منابر تصل إلى أعداد كبيرة من الناس. فصورة يلتقطها شاب من غزة، أو مقطع تصوّره فتاة من القدس، أو شهادة ينقلها فلسطيني من الضفة، يمكن أن تعبر القارات خلال دقائق، وأن تُترجم إلى لغات عدة، وتصل إلى جمهور طالما حجبت عنه وسائل الإعلام التقليدية الرواية الفلسطينية.

وقد أظهرت الحرب على غزة أهمية هذا الدور بصورة غير مسبوقة. فمع محاولات حجب الحقيقة أو تبرير الجريمة، كان الشباب حاضرًا في قلب الحدث: يصوّر ويوثّق ويترجم، ويفنّد المعلومات المضللة، ويعيد نشر الشهادات والصور. لم يعد قتل الفلسطيني أو هدم بيته أو تهجيره خبرًا عابرًا يمكن التحكم في صورته بسهولة؛ لأن هناك من يسجّل ويحفظ وينشر، ويذكّر العالم بأن وراء الأرقام بشرًا لهم أسماء وبيوت وأحلام وذاكرة.

ولم يتوقف حضور هذه الأجيال عند نقل المأساة؛ فقد أعاد الشباب فلسطين إلى الأغنية والمسرح والفن والسينما والمنابر الثقافية. أحيوا الأغاني الفلسطينية القديمة وقدّموها بأصوات وألحان جديدة، وردّدوها في المسيرات والجامعات والساحات. واحتفوا باللهجة الفلسطينية والثوب والتطريز والدبكة والحكاية الشعبية، وتغنّوا بالمدن والقرى والعادات والتقاليد.

نراهم في الأغنية والفيلم والندوة والمظاهرة، وخلف الكاميرا وأمامها. وقد لا نحفظ أسماءهم جميعًا، لكننا نرى الأثر الذي يصنعونه. وهكذا تُقدَّم فلسطين إلى العالم لا بوصفها أرض حرب وضحايا فقط، بل وطنًا حيًّا له ثقافته وذاكرته وجماله وتاريخه.

واللافت أيضًا حضور الشباب الفلسطيني والعربي في الخارج. فبعض هؤلاء الفلسطينيين وُلد بعيدًا عن فلسطين، وربما لم يزرها يومًا، لكنه حملها في ذاكرته العائلية ووعيه وانتمائه؛ كما حملها شباب عربي بوصفها قضية حق وعدالة وانتماء. نراهم في الجامعات والشوارع والمسارح والمنصات الرقمية؛ يرفعون العلم، وينظّمون الندوات، ويكتبون ويغنّون ويترجمون، ويشرحون لزملائهم حقيقة ما يحدث. لقد ربطت وسائل التواصل هؤلاء الشباب بعضهم ببعض، فصارت المسافة بين غزة ولندن، أو بين القدس ونيويورك، أقصر مما كانت عليه في أي وقت مضى.

كما أتاحت هذه المنصات ظهور أصوات متضامنة من خارج الدائرة الفلسطينية والعربية؛ من بينها أصوات يهودية في أنحاء العالم، وأخرى إسرائيلية من داخل المؤسسة، رفضت الحرب والاحتلال وتضامنت مع الشعب الفلسطيني. وشاهدنا كيف نقلت أفلام وشهادات بعض ما ارتُكب في غزة، وكيف تحولت إلى مادة للنقاش في العالم. وهذه الشهادات لا تمنح الرواية الفلسطينية صدقيتها؛ فالفلسطيني قدّم شهادته ووثيقته وذاكرته منذ عقود، لكنها تضيف دليلًا من داخل المنظومة نفسها، يستطيع الشباب نقله وتوظيفه في مواجهة الإنكار والتضليل.

إن أدوات هذه الأجيال لا تلغي الكتاب والوثيقة والعمل الذي أنجزته الأجيال السابقة، بل تمنحه طريقًا أسرع وأوسع إلى العالم. فهؤلاء الشباب لم يرثوا فلسطين بوصفها حكاية من الماضي، بل حملوها قضية حاضرة، وأعادوا تقديمها بلغة عصرهم.

وأعترف بأنني أرى أن هذه الأجيال ستشهد انتصارات حقيقية إذا بقيت على هذا الخط من الوعي والمعرفة والعمل، وتمسّكت بالحقيقة ولم تسمح للضجيج أن يبدّدها. فكيف لا نفرح بها، وكيف لا نرى في إبداعها واتساع حضورها قوة جديدة تسند فلسطين وتحفظ روايتها.