- 11 تشرين أول 2026
- مقابلة خاصة
بقلم : الباحث هشام الرجبي
قبل البدء بهذه الحكاية اود الاشارة هنا الى ان جميع الاسماء والفصول والاحداث هي حقيقية وقعت في حينه ولم اختلق شيء من مخيلتي، بل انها موثقة لمن أراد المراجعة وتكمن الخصوصية في هذه الحلقات الروائية التاريخية عن مدينة القدس ، انني ارى انه من الضروري إضفاء طابع إنساني لكل جزئية من حكايات القدس وفصولها التاريخية، كما يشير المبدأ القائل أنسنة المدينة.
فنحن عادة نقرأ التاريخ من خلال أقلام المؤرخين الذين سبقونا ومنهم من هو موجود اليوم بطريقة منهجية صامتة لا روح فيها سوى انها فصول موثقة ومؤرخة وهذا ليس خطاء المؤرخ او الباحث فهكذا جرت الامور في اغلب كتب التاريخ المحلية والعربية بشكل عام
لذلك فأنا ارى القدس بشكل مختلف هي ليست مكعبات هندسية او مداميك متراصة لسور المدينة او قبابها وليست جغرافيا بمقاييس المساحة فقط ، بل هي مدينة حية لها روح وصوت يجلجل من خلال قاطنيها وروادها وصورة حية أيضا تلمع في عيون أجيال عبرت جسور مراحل تاريخها
ومن هنا ارى ان انسنة المدينة في هذه المرحلة بالذات ، مهمة شاقة!!!
نعم شاقة لكنها ضرورية
واليكم الحكاية
في فترة جائحة الكورونا التي حلت على مدينة القدس لم أعد أراه مطلقا فهو لم يعد كعادته يتجول من باب بيته إلى بوابة الزاوية الهندية ، وخوفا على حياته منع ابنائه حتى زيارته لكبر سنه
فلقد كنت طيلة فترة عملي في عيادة وكالة الغوث وتشغيل اللاجئين ( الأونروا) الواقع في الزاوية الهندية بالقرب من باب الساهرة والتي أعمل بها منذ العام 1995 ميلادية ،على تواصل يومي أو شبه يومي مع الشيخ منير ناظر الأنصاري متولي وقف الزاوية الهندية والقائم على ادارة شؤونها
كنت استمتع بالجلوس إليه فهو كتاب تاريخ زاخر بالحكايات والقصص التي شهدها منذ عهد الانتداب البريطاني وصولا للعهد الاردني ووصولا الى الاحتلال الإسرائيلي للمدينة المقدسة عام سبعة وستين في الحرب التي أسفرت عن استشهاد عدد كبير من سكان القدس واصابة المئات ومن بينهم الشيخ الانصاري واستشهد عدد من أقاربه
وعن تلك الفترة قال لي ذات صباح : أثناء الحرب كان يتم إطلاق النار على القوات الإسرائيلية من نادي أبناء القدس اليوم فلقد كان معسكر اردني ولا يبعد سوى أمتار معدودة عن الزاوية الهندية، وبعد أن اشتد القصف على القوات الأردنية هناك فر الجنود ومن تواجد في المعسكر الذي داخل الزاوية الهندية مباشرة وكنت أنا وإخوتي وجميع العائلة نختبئ داخل غرفة في الطابق الأرضي يعلوها غرفة أخرى مقببه ، ونتيجة القصف واطلاق النار المتبادل ألقيت قنابل على ابنية الزاوية الهندية ومحيطها، مما أدى الى اختراق قنبلة قبة الطابق العلوي وارضية الغرفة ووصلت الى الغرفة التي نحتمي بها
وكانت انا الوحيد الذي نجوت من هذه الحادثة ولحسن حظي كان ظهري لباب الغرفة الخشبي ومع قوة الانفجار اندفعت للخلف بعد أن كسر الباب نتيجة ضغط الانفجار ورماني الانفجار خارج الغرفة
أما من بقي داخل الغرفة فجميعهم استشهدوا ولقد اصيبت بتشوه في وجهي وصدري نتيجة الانفجار ومكثت في المستشفى فترة طويلة من الزمن.
هذه إحدى حكايات الشيخ منير الذي كان يسردها بكل تفاصيلها، فهي قصته الشخصية لم ينقلها عن أحد، بل عاشها بنفسه .
وتستمر حكاياته التي لا تنضب وقد لامست مدى تعلقه بوالده الشيخ "ناظر الانصاري " الذي كان يتمتع بمكانة رفيعة ويحظى باحترام المجتمع المقدسي سواء الرسمي او الاجتماعي
وكوني احمل مخزون هائل من حكايات صديقي الشيخ "منير الانصاري" الذي يكبرني باثنين وخمسين عام تقريبا فلقد رايت ان اختار في هذه المقالة اثنتين من اعجب القصص واشدها غرابة وبها بعض الطرافة ايضا
يروي لي الشيخ "منير الانصاري" ان بداية حياته ونشأته كانت في حارة باب حطة فبعد أن حضر والده الشيخ "ناظر الانصاري" ضمن وفود جاءت داعمة للقضية الفلسطينية على رأسهم القائد الهندي "شوكت علي جوهر" والذي توفي ودفن في الرواق الغربي للمسجد الاقصى تكريما لما قدمه للقدس وفلسطين والمسلمين عموما وكان يرافق القائد الهندي شوكي علي في لقاءاته الشيخ "ناظر الأنصاري" في لقاءاته وزياراته المتعددة .
ويضيف الشيخ "منير الانصاري":
عندما احتلت بريطانيا فلسطين العام 1917 ،كان ضمن الجيش البريطاني عشرات الألاف من الجنود القادمين من بلادنا تستعمرها بريطانيا، بما في ذلك الهند ، ولهذا من الطبيعي أن يكون من بين هؤلاء الجنود هنود ، فلقد كانت هناك فرقة من السيخ الهنود يبلغ عددهم حوالي الخمسة عشر ألف جندي هندي بريطاني ، وقد استقر عدد من الجنود الهنود في الزاوية الهندية في القدس فترة من الزمن ، قد حولوا بعض مرافق الزاوية الى ثكنات عسكرية ، حتى ونحن نقيم فيها.
وكان والدي الشيخ ناظر يستقبل الحجاج الهنود القادمين لزيارة المسجد الاقصى داخل الزاوية الهندية كما كان يستقبل وفود المتطوعين للقتال في صفوف الثورة الفلسطينية بقيادة الشهيد "عبد القادر الحسيني"
يكمل القصة وهو يبتسم كانت وفود المتطوعين يحضرون تحت ستار أنهم حجاج وزوار المسجد الأقصى وكان والدي يصحبهم إلى مدينة رام الله وبالتحديد الى قرية عين سينيا مكان إقامة الشهيد عبد القادر الحسيني لضمهم إلى صفوف الثوار يتركهم هناك ويعود وحيدا الى القدس .
ومن المفارقة أنه تصادف خروج والدي مع الشباب المتطوع صباحا مع خروج جنود السيخ الهنود البريطانيين من نفس الطريق وذات البوابة .
فرقة تذهب للالتحاق بمواقع عسكرية بريطانية لوضع الحواجز وقتال الثوار وهم جنود السيخ الهنود
وفرقة اخرى هي الشبان الهنود المتطوعين للقتال في صفوف الثورة الفلسطينية ضد الاحتلال البريطاني، ان الحياة بها التناقضات الكثيرة .
وهكذا كانت حكايات الشيخ منير ممزوجة بالدهشة والاثارة والعجب والتفاصيل فهو فعلا كان بالنسبة لي كتاب تاريخ يمشي على الأرض .
حكاية أخرى
لقد أخبرني صديقي الشيخ "منير الأنصاري" حكاية استئجار وكالة الغوث لتشغيل اللاجئين مقرا في الزاوية الهندية وهنا لا بد للإشارة لبعض النقاط الهامة التي يجهلها الكثيرون
إن وكالة غوث وتشغيل اللاجئين ( الأونروا) لم تستلم زمام الأمور فور النكبة مباشرة بعد العام 1948م بل أن من استلم قضية اللاجئين في حينها مؤسسة الصليب الأحمر واستمر عمل هذه المؤسسة حتى العام 1951م وبعدها استلمت وكالة الغوث ملفات اللاجئين من الصليب الأحمر كمؤسسة دولية واستمر عملها بهذا المجال الى اليوم .
وبعد أن استأجرت وكالة الغوث لتشغيل اللاجئين مقرها في جزء من مساحة الزاوية الهندية وهي احدى البنايات والتي كانت احدى ثكنات الجيش البريطاني السيخ الهنود الذين غادروا غادرت بعد النكبة وعادت المقرات لمتولي وقف الزاوية الهندية الشيخ "ناظر الانصاري"
كما كانت بعض العائلات قد استأجرت بعض المساكن داخل حدود الزاوية الهندية من بينها عائلة السنجلاوي
يقول الشيخ منير: عندما كنت شابا أتيحت لي الفرصة ان اعمل موظفا تسجيل للمراجعين داخل مقر وكالة الهنود في الزاوية الهندية ، كانت عائلة السنجلاوي المكونة من اب وام وابناء امهم كانت من اصول اسبانية وليست عربية وبحكم ذلك وعلاقتها باهلها بإسبانيا تم استيراد بقرات من إسبانيا من أجل تربيتها ورعايتها في احدى حواكير الزاوية الهندية للاستفادة من حليبها وبيعه كعمل تجاري ، في ذلك الوقت كان مقر وكالة الغوث يستقبل اللاجئين يوميا ليوزع عليهم بعض المعلبات ، واحيانا بطانيات وكان يقوم أحد موظفي الوكالة بشكل يومي بوضع قدور كبيرة على بابور الكاز وغلي الماء واضافة حليب مجفف وتحريكه حتى يصبح حليب بشكله الطبيعي .
وكان المراجعين اللاجئين يحضرون صباحا هم او ابنائهم يحملون بطاقات سلمت لهم مسبقا بعدد الأفراد من كل عائلة وهناك يتم إحداث ثقوب في كل بطاقة كلما استلم المستفيد حصتها في المكان المحدد لليوم ذاته .
وبنفس الفترة والزمان والمكان كانت بعض الميسورين يحضرون لشراء حليب طازج من عائلة السنجلاوي التي ذاع صيتها ببيع الحليب . (ايضا من تناقضات مدينة القدس )
يتوقف الشيخ منير عن الكلام وهو يتنهد كأنه يستعيد أيام شبابه ثم يضحك ويكمل القصة :
كانوا أيضا يخرجون من نفس الباب من حضر لتلقي المساعدات من وكالة الغوث يخرج وهو يحمل قدر به حليب من حليب الوكالة المطبوخ المجفف، ويخرج معه احيانا شخص آخر يحمل قدر حليب طازج قد اشتراه من عائلة السنجلاوي.
والجميل بالقصة ان البعض أحيانا لإضفاء نوعا من المباهاة عند خروجه وهو يحمل حليب الوكالة حتى يتقي الاحراج كمتسول إذا صادف احد يعرفه ، يخترع قصة انه حضر ليشتري حليب من عائلة السنجلاوي ، متناسيا أن لهيب سخونة الحليب الدخان المنبعث من القدر يكذب روايته !!
يختم الشيخ منير الأنصاري قصته وهو ينظر لي: لقد كانت الناس رغم ضيق حالها وتهجيرها تشعر بالخجل من تلقي المساعدات فهي ما زالت رغم كل الظروف لديها كبرياء وعزة نفس.
رحم الله الشيخ "منير الأنصاري" الذي كان صديق لي رغم فارق السن بيننا

