- 5 تشرين أول 2026
- ثقافيات
بقلم : المحامي حسن عبادي
تشكل قضية الأسرى، والاهتمام بها رافعة قوية في منهجية العمل الكفاحي النضالي، من أجل الحرية والعدالة، وحق تقرير المصير الذي تكفله القوانين والتشريعات الدولية.
وبلا أدنى شك فإن أسرانا الفلسطينيين في سجون الاحتلال ليسوا مجرّد أرقام، فلكلّ منهم قصّة وحكاية، وقد التقيت في السنوات الأخيرة بمئات الأسرى عبر القضبان في سجون الاحتلال، في فلسطين، بلد المليون أسير.
وقد تبيّن لي من خلال هذه الزيارات الكثير الكثير من الأمور والقضايا الخاصة والعامة التي يعانيها ويعيشها الأسرى، وما شدّني من هذه الأمور، وجدت أن الأسرى يسطرون الكثير من حكاياتهم على قصاصات من الورق يجمعونها في روايات ومقالات وحكايات ترصد حال كل منهم بشكل خاص، وأحوال زملائهم بشكل عام، ويرون أنّ الكتابة خلف القضبان متنفّس للأسير، يحلّق من خلالها ليعانق شمس الحريّة المشتهاة، حريّة مؤقّتة عابرة تمدّه بالأمل والعزيمة.
وقد تبيّن لي أنّ الأسير يتنفّس الحريّة، ويشعر بالحنين الممزوج بالفرح والسرور حين يسمع أو يقرأ أو يشاهد عبر الشاشة أنّ هناك من يهتم به وبقضيّته ويشعر أنّ تضحياته لم تذهب سدىً.
وبلا أدنى شك، فإن أدب الحريّة يرصد الكثير مما يعانيه أبطال الحرية خلف القضبان، وامتدت هذه الظاهرة من الستينات والسبعينات إلى يومنا الحاضر، وبعد النكبة شاع مفهوم "الأدب الملتزم" وكانت منصّة شعرائنا في حينه المهرجانات والندوات في المناسبات وقد هيّج شعرهم الجماهير العربية وعبّأها وكان بمثابة الشعلة المضيئة لإكمال المسيرة والبقاء، وكان إبداعهم سببًا لتَمركُزِ شعرهم في مقدمة الشعر العربي والعالمي لأنه تحدّث عن القضية الفلسطينية، ونجح في إيقاظ الجوانب الإنسانيّة الرّاقية في كلّ قارئ عرف ماهية الشعر الجميل.
وبعد أكثر من سبعة عقود ما زالت نكبتنا مستمرّة، وما زالت القيود ماثلة، وما زال الشعراء يسدون الفراغات في أدب المقاومة الفلسطينية، ويسجلون ويرصدون المعاناة التي تواجه الأسرى والمسرى، وها هو شاعرنا الجنيني عبد القادر سعيد مراعبة يسير على خطى من سبقوه ليبني مدماكاً، بل جسراً آخر في منهج أدب المقاومة، يتحسّر على ما آلت إليه حالنا وحالتنا، وما أشبه اليوم بالأمس، فهو يحاول أن يقرع ناقوس الخطر، في مناسبات عدّة، ليذكّر إن نفعت الذكرى في ديوان أطلق عليه (أسرى ومسرى).
يتناول شاعرنا في هذا الديوان أحوال الأسرى والمسرى من كافة الجوانب، النكبة والتهجير، ومحاولات تهويد القدس، واستعباد البلاد والعباد، وما يترتب على ذلك من تمدّد الاستيطان، والاجتياحات المستمرّة، والتنكيل بالمواطنين، ومصادرة الأراضي، وما نجم من انتهاكات بسبب جدار الفصل العنصري، والاغتيالات، والحصار المستمر والمتواصل، وخيبة الأمل المستمرة من الخذلان العربي على مرّ السنين، كما يتناول الديوان ما تعانيه الحركة الأسيرة منذ بداية الاحتلال، فالأسرى، الجرحى والشهداء، أمهات الأسرى والشهداء، كلهم محاور أساسية في هذا الديوان ،ويرصد شاعرنا الكثير من مظاهر المعاناة كالإهمال الطبي والقتل المتعمد، والتعذيب، والإبعاد، ومسيرة معركة الأمعاء الخاوية، ويوم الأسير الفلسطيني كمناسبة سنوية يحييها الشعب الفلسطيني نصرة للأسرى الأبطال .
يشكلّ هذا الديوان لمسة وفاء لأحرارنا ورسالة صمود لأهلنا الصامدين، ومساهمة شعريّة للحفاظ على الهويّة والوجود في أرض الآباء والأجداد رغم العدوان الغاشم والعدو اللدود، نتقدم من الشاعر مراعبة بوافر الشكر والتقدير والعرفان على هذا الإنجاز الذي يعزّز القضية الوطنية، ويجدّد الوفاء والولاء للأسرى والمسرى.
مقدّمة ديوان "أسرى ومسرى" للشاعر الفلسطيني عبد القادر سعيد مراعبة
وجاء في التظهير:
"فلسطينُ الحبيبةُ، كيف نَبرا
من الجرح العميقِ، وفيك مَسرى
تئِنُّ قبابهُ، ليلاً، نهاراً
منَ الظلمِ المعتّق فيه قهرا
وذاتُ الجرح ينزفُ في سجونٍ
تضمُّ كهوفها السوداء أسر"

