- 25 تشرين أول 2026
- أقلام مقدسية
بقلم: الشاعر المقدسي جابرييل عبدالله
لمدرستي العريقة حكايات لا تنتهي فهي من الأماكن التي احتضنت طفولتنا وشبابنا ومكانتها راسخة في القلب والذاكرة. ومدرسة الفرير «دي لاسال» في القدس ليست مجرد صرح تعليمي فحسب بل هي جزء من تاريخ المدينة وحكايتها ووجدان أبنائها.. هذه المدرسة التي تحتفل هذه الأيام بمرور ١٥٠ عامًا على بدء خدمتها في القدس والديار المقدسة فيما احتفل أنا شخصيًا بمرور خمسين عامًا على تخرّجي منها في العام الدراسي ١٩٧٥–١٩٧٦.
هذا الصباح أعادتني مكالمة هاتفية من الصديق العزيز "خليل العسلي" رئيس تحرير شبكة " أخبار البلد" المقدسية حول المدرسة إلى صفحات جميلة من العمر، فتدفقت الذكريات واستعدت أيام الطفولة والشباب بكل ما حملته من نشاط وحيوية وأحلام.
كنت حاضرًا في مختلف ميادين الحياة المدرسية... في الدروس المنهجية والأنشطة اللامنهجية.. وفي الرياضة بمختلف أشكالها.. والفرق الموسيقية والعزف والتمثيل والشعر والغناء والكورال.
ولو أردت أن أروي كل ما عشته من تجارب ومواقف وذكريات لاحتجت إلى مجلدات لا إلى مقالة مقتضبة حتى افي هذه المدرسة حقها في تكوين أجيال القدس !
وتعود بي الذاكرة بكل محبة وامتنان إلى الإخوة الفريرية الذين تركوا بصماتهم في نفوسنا، ومنهم الفرير رفائيل (وقد كتبت لروحه قصيدة شعرية مؤثرة تحولت لاغنية قام بوضع التوزيع الموسيقي والتلحين والغناء صديقي اللاسالي أنطوان وديع الصافي ـ
وهنا لا يسعني الا ان اتقدم بالشكر كله لفرير داوود الذي باشر وأشرف بنفسه على إخراج هذا العمل الفني الجبار بصورته المشرفة ، وايضاً الفرير مناويل صقر، والفرير برنارد، وإلى أساتذتنا الأفاضل، الأستاذ سركيس، والأستاذ زنانيري والأستاذ كتن والأستاذ جورج أبو السعيد، الذين أسهموا في بناء شخصياتنا وتوسيع آفاقنا، إلى جانب العلم والمعرفة.
كما أستذكر زملاء أعزاء سبقونا إلى الحياة الأبدية، وفي مقدمتهم جورج كوسا ومناويل سابيلا، مستحضرًا ذكراهم بكل محبة ووفاء، ومترحمًا على أيام جمعتنا بهم تحت سقف مدرستنا الحبيبة.
أما زملائي الذين ما زلت أتواصل معهم، ولا زالت تجمعني بهم روابط الصداقة ودفء الذكريات، اذكر منهم جورج النبر، وفريدريك هزو، وبشارة بحبح، وميشيل زنبيل، ووسيم نشاشيبي. وأعتذر من ذكر كل زميل عزيز لم أذكر اسمه فمكانة الأحبة أكبر من أن تحصرها الأسماء التي تضيع في جنبات الذاكرة مع السنين.
وقد كانت زيارتي ومشاركتي في الاحتفالية، والتجول مجددًا في صفوف الدراسة، فرصة استثنائية للعودة بالزمن إلى الوراء، واستنشاق عبق الماضي، واستعادة مشاهد من أيام لا تُنسى. شعرت وكأن السنوات الخمسين قد تلاشت للحظات، وكأنني عدت ذلك الطالب الذي يحمل أحلامه في قلبه، ويخطو أولى خطواته الصغيرة المسرعة نحو المستقبل.
إنها مناسبة تتجاوز الاحتفال بمرور الزمن.. فهي احتفاء برسالة تربوية وثقافية وإنسانية وأجيال تعلّمت وتخرّجت وحملت معها قيم العلم والانضباط والأخلاق والانتماء.
مئة وخمسون عامًا من العطاء لمدرستي الفرير وخمسون عامًا من الوفاء لمدرستي التي لا تزال تسكن وجداني. وبين اليوبيلين حكاية عمر، وذاكرة مدينة، وجيل يحمل في قلبه امتنانًا لا يشيخ.
كل التحية والتقدير لمدرسة الفرير «دي لاسال» في القدس وفي كل أرجاء المعمورة، ولأسرتها التربوية، ولجميع من ساهموا في مسيرتها، مع أطيب الأمنيات بأن تواصل رسالتها النبيلة في خدمة الأجيال القادمة، وأن تبقى منارة علم ومحبة وسلام في القدس والديار المقدسة والعالم أجمع..
وبهذه المناسبة خرجت القريحة بهذه الأبيات الشعرية تعبيرا عن الحب والامتنان والشكر لهذا الصرح وللقائمين عليه
بتاريخ العلم والأدبْ
اسمك "دي لا سال" في القلب انكتبْ
وإن دارت الأيام وتقادمتْ
فإرثك باقٍ وصيتك ذهبْ
عزك لم يزل بل قد ارتفع
والبسك البهاء سحر العجبْ
مدرستي عظيمة في شأنها
تحسب لها النفوس وتحتسبْ
كأنها بيت المدارس كوكبٌ
يسطع بألف سببٍ وسببْ
أحب مدرستي واسمها
فيه نغم يعزف وعز وطربْ

