- 25 تشرين أول 2026
- ثقافيات
القدس - أخبار البلد - نشر الكاتب المبدع "زياد خداش" مقالة له حول انطباعاته لمعرض " استنزاف" في البيرة، وكعادة زياد فإن هذه الانطباعات لها نكهة خاصة وطعم مميز ، ولهذا فإننا في " أخبار البلد" المقدسية نعيد نشر المقالة لإتاحة الفرصة للقراء الاعزاء للتذوق من قلم خداش المميز:
رفقة فوبيا الحشود المعتادة التي ألفتها وألفتني، ورفقة حماسة كبيرة وأصحاب، زرت الأسبوع الماضي معرض (استنزاف) في غاليري زاوية في مدينة البيرة للفنان الشاب العزيز عاطف. أنا لست من محبي حضور حفل افتتاح المعارض، فهناك سأنشغل بالاندهاشات الاجتماعية اللزجة: يا زلمة وينك؟ أهلاااا، اسمع تعال على جنب بدي أحكي معك، شو صار معك في موضوع الاستقالة؟ وأنت شو وضعك؟ لسه المي يتسل من سطح البيت؟ إلخ... وهكذا أستنزف في (استنزاف) كل طاقتي وحماستي في الأحاديث والمجاملات، وأظن أن المعظم يشاركونني نفس الانشغال، وأعرف أن عديدًا منهم يرجع، مثلما رجعت أنا، ثاني يوم، إلى المعرض لنكون وحدنا تمامًا مع (استنزاف)، دون استقالات من مهن وسطوح راشحة. أعرف أن العزيز عاطف يعمل على هذا المعرض منذ سنوات، وأن فكرة تحويل الشاش الطبي في غزة إلى سؤال كوني وهاجس وجودي مقلق استنزفت عقله وعينيه ويديه وخبرته مع التحويل وقلبه، ويعرف العزيز العزيز أن تضامنه الحزين مع دم غزة لن يقوده إلا إلى استجواب واستكشاف معنى الوجود البشري على هذه الأرض. لهذا انفجرت المرأة المخبأة في نهر من الشاش غير المنتظم الحواف، في وجهي، مثل لغم ناعم لم يمزق قدميّ، بل أشعل في عينيّ حريق سؤال: من هي هذه المرأة التي بالكاد نراها، وهي تدور مقيدة اليدين، محاطة بالشاش الذي يلف معها؟ ثمة عشرات النساء في هذا عرض الدوران حول الذات الغريب، امرأة من غزة ومن أفغانستان ومن البرازيل ومن السويد، تدور وتدور وتدور، لا تصل إلى أي مكان، ولا أصل أنا إلى أي مكان، ولا يصل الفنان إلى أي مكان. أعروس هي في مطحنة الحلم القاتل، أم ممرضة شجاعة ركضت لتنقذ جريحًا سقط حول المشفى في الخلاء وماتت في الطريق إليه؟ أم هي سؤال الاغتراب الإنساني والاستسلام في آلة اليومي الجهنمية؟ أم هي موظفة متعبة في آخر الليل، تلف بالصواني المتأرجحة حول الطاولات الصاخبة، مزروعة في عينيها عينيّ المدير؟ أم هي بلادنا كلها وهي تحاول خروجًا من دوامة القتل، أم هو وعي شقي يرغب في فهم العالم بلف أبدي حوله؟
أم هي الإزاحة صفر، كما سماها الشاعر الفلسطيني المبدع علي أبو عجمية في تقديمه لهذه الدوران الذي أعاد الاستقامة والنزاهة لروحي وسؤالي؟ يكتب أبو عجمية: «هي إزاحات مستمرة، هروب وعودة إلى المكان، كثافة الموت تظهر كاستطالات شاش متدلية تحاكي تسارع آلة القتل مقابل مساحة ضئيلة للنجاة».
لوحات المعرض الأخرى تحتشد بالأطياف، بالفلسطينيين الأشباح الذين يود الآخرون المتوحشون لهم الاختفاء. من أين أتى العزيز عاطف بهذه الطيفية؟ وكيف أحضرها إلى اللوحة؟ كيف زوجها للشاش، وأنجب منها أطفالًا هشين سقطوا من فرط هشاشتهم تحت اللوحات؟ التقطتها عيوننا التي أصيبت بالزكام. انظروا إلى كاميرات الغالاري، ودققوا في عيون الجمهور وهم يخرجون، كم هي محتقنة وتفيض بالزجاج المفتت وبالإبر! هل كان ورد اللوحات اليابس بقايا هذا العرس الدموي بين الشاش والأطياف؟ الإجابات متاحة للجميع، والأسئلة هي أيقونة المعرض وفضاؤه. هذه اللوحات ليست فقط للمشاهدة، هي في متناول مخيلة كل حساس يتوجع، ويشعر أن بداخله يجيش فيلم قصير أو مسرحية منودراما أو رقصة معاصرة أو قصة قصيرة أو رواية. لهذا هبطت درجات الغالاري أمسك بيدي رواية قصيرة، وقال لي الأستاذ الشاعر أسعد الأسعد إنه خرج وبيده تمسك قصيدة، أما الناقد عمر صبرة فقد سأل أبا شروق وهو يسوق السيارة: أين أضع مسرحيتي؟ إنها ثقيلة. توقف الشاعر الجميل وفتح غطاء السيارة الخلفي، ودس فيه مسرحية عمر.
تتعاقب اللوحات، أو نتعاقب نحن أمامها، فمن يدري، ربما هي التي تتفرج علينا. هذا هو سر هذا المعرض، نحن معرض بشري متحرك، وما الفنان العزيز سوى خالق المعرض الثابت ومقيم المتحرك. عقد العزيز مع لوحاته صفقة بعد صياح شرس، تبادل معها الخطط والطلبات: قالت له اللوحات بعد أن خلقها: اسمع، سنسقط كلما نظر إلينا بشري، نحن من الهشاشة بحيث لا نتحمل نفس عصفور يمر خلف نافذة المعرض. ما المطلوب؟ سأل العزيز مخلوقاته. أعطنا صلاحية ومفتاح النظر إلى الجمهور كمعرض بشري، حتى نتماسك .لكم ذلك، وافق العزيز، وهكذا صار.
إذن كنا جميعا معرضا متحركا امام هذه اللوحات: قيامة والتجوال ومولوي سبكتروم 1، سبكتروم رقم 2 ورقم 3 و4 و5، ولوحة العزلة والشفاء رقم 1 و2 و3 و4 و5 و6 و7 و8، ولوحة نحبك بل نحبك رقم 1 و2 و3، ولوحة الحصاد وهدنة والخيمة رقم 1 و2، ولوحة يونان رقم 1 و2، ولوحة باب إلى الألم والمنظر الطبيعي رقم 1 و2، ولوحة الأم، ولوحة تنفيذ القرار رقم 14 ورقم 9 و7، ولوحة فلسطين، ولوحة الاستبدال والحدود والمسافة، ولوحة النزوح.
أجمل ما قال تشيخوف، ملك السرد العالمي: الفن والأدب لا يوقفان آلام العالم، إنهما يصيغانه بشكل أفضل.
شكرًا أيها العزيز عاطف، وأنت تطرح نظرية الألم الفلسطيني بشكل أفضل.

