• 20 أيلول 2026
  • من اسطنبول

 

 إسطنبول - تستمر "أخبار البلد"  في نشر فصول كتاب الصديق الصحفي  والكاتب "جودت مناع "  حول اسطنبول والذي يحمل عنوان " ظلال على البوسفور"  و المستلهمة فصوله من  أجواء المدينة التي تُعد من أجمل مدن العالم وأكثرها سحراً، تلك المدينة التي تأسر قلوب زائريها منذ اللحظة الأولى التي تطأ فيها أقدامهم أرضها.

وسيكون لقرائنا الأعزاء موعد أسبوعي متجدد مع هذه الفصول، التي تأخذهم في رحلة أدبية وإنسانية عبر شوارع إسطنبول وأحيائها وحكاياتها. 

 

الحكاية الرابعة 

 

في إسطنبول لا تصل إلى المدينة دفعة واحدة؛ عليك أولاً أن تعبر طبقاتها، كما يعبر الغواص أعماق البحر. وكلما ظننت أنك أمسكت بسرها، اكتشفت أنها تخبئ سراً آخر وراء التل التالي أو الموجة التالية.

عندما هبطت الطائرة فوق إسطنبول فجراً، كانت المدينة تبدو من النافذة كرقعة هائلة من الضوء تمتد بين بحرين وقارتين. لم تكن تلك زيارتي الأولى لمدينة كبيرة، زرت نيويورك وباريس ومدريد وبرلين ولندن وغيرها لكنها كانت المرة الأولى التي أشعر فيها أنني لا أصل إلى مدينة، بل إلى تاريخ كامل ما زال يتنفس في العراء.

عبر الطريق من المطار، كانت أسماء الأحياء تمر أمامي كأنها عناوين فصول لم أقرأها بعد: زيتون بورنو، الفاتح، بشيكتاش، أوسكودار. وراء كل اسم حكاية، ووراء كل حكاية قرون من البشر الذين مروا من هنا، بعضهم جاء فاتحاً، وبعضهم تاجراً، وبعضهم هارباً من حرب أو مطروداً من وطن.

وحين رأيت القرن الذهبي من البوسفور للمرة الأولى، أدركت أن سر إسطنبول ليس في قصورها ولا في مساجدها، بل في هذا الشريط الأزرق الذي يفصل بين قارتين ويجمعهما في الوقت نفسه...

مضى السائق بي عبر طرق سريعة. كانت المدينة غارقة في نومها في عطلة الأسبوع. شبه خالية من المارة وأعداد محدودة من السيارات.

مررت بتلال تطل على كتفي الطريق السريع المؤدي إلى فندق كلاريون في الشطر الأوروبي من اسطنبول. العلم التركي يرفرف عالياً فوق تلة على ساريات باسقة في السماء. التلال تكتسي بالأشجار الحرجية الخضراء في صيف مدينة تحكي مجد الامبراطورية العثمانية وامتداداتها من الشرق إلى الغرب.

العبارات تمضي في رحلاتها عبر البوسفور بين أحياء اسطنبول الواقعة على ضفتي الأرخبيل. المواطنون والسياح الأجانب ينتظرون في محطات الوصول والمغادرة في العطلة الأسبوعية. كان عبوري الأول للبوسفور بين بشكتاش و اسكودار الواقعة على الضفة الأخرى للبوسفور. من هناك طافت العبارة على امتداد ناحيتي النصف الشمالي للبوسفور باتجاه البحر الأسود. رحلة قرأت خلالها تاريخ المدينة على واجهات القصور القديمة ومبانيها في حاضنة ما بين التلال. اما مياه الأرخبيل قد تكون مضت في ممرها في الاتجاهين ولم تشهد معارك طاحنة كانت نتائجها سيطرة الدولة العثمانية على القسطنطينية واحتفظت بكنائسها ومعالمها التي لم تتضرر في الحرب.

الفندق 

لم تكن إسطنبول قد كشفت لي وجهها بعد.

اقترب السائق من فندق كلاريون، وانحرف إلى موقف السيارات الخاص بالفندق. وما إن توقفت السيارة حتى مد يده إلى جيبه وأخرج بطاقة صغيرة ناولني إياها.

قال إن هذه بطاقته، وإن بإمكاني الاتصال به إذا احتجت إلى السفر إلى بعض مناطق إسطنبول.

شكرته ونزلت من السيارة، حاملاً حقيبتي الصغيرة، ودخلت الفندق.

في بهو الفندق، اتجهت إلى موظف الاستقبال وسألته عن إمكانية حجز غرفة للمشاركة في مؤتمر خاص بفلسطين. ألقى نظرة على شاشة الكمبيوتر أمامه، ثم قال:

—  يمكنك استخدام غرفة في الطابق الثاني عشر.

ناولني المفتاح، فاتجهت إلى المصعد. ضغطت على الرقم، وأغلقت الباب خلفي، وبدأ المصعد يصعد بي نحو الطابق الثاني عشر، بينما كنت أفكر في الأيام التي تنتظرني في هذه المدينة التي طالما سمعت عنها أكثر مما عرفتها.

دخلت الغرفة، وضعت حقيبتي الصغيرة، ثم عدت إلى قاعة الطعام في الطابق الأرضي لتناول الإفطار.

هناك بدأت الوجوه الجديدة تظهر.

أشخاص لم ألتقِ بهم من قبل، مصافحات، ابتسامات، تعارف، ومجاملات سبقت جلسات المؤتمر. كان المكان يعج بأصوات مختلفة، لكن فلسطين كانت القاسم الذي جمعنا جميعاً. لم تكن اللقاءات مجرد مقدمات اجتماعية لمؤتمر، بل بدت كأنها بداية حكايات جديدة، تتقاطع فيها طرق أشخاص جاء كل واحد منهم من مكان مختلف، يحمل معه شيئاً من بلده وذاكرته وأسئلته.

أقمت ليلتين فقط.

وحين حان موعد المغادرة، توجهت إلى موظف الاستقبال، دفعت فاتورة الإقامة في الفندق، وشكرته على حسن الخدمة. ثم سألته عن كيفية الوصول إلى شيشلي.

أشار إلى موقف الحافلات القريب من الفندق.

غادرت، وأنا أظن أن الأمر سيكون سهلاً.

لكن إسطنبول كانت قد أعدت لي مصادفة أخرى.

لم تكن لدي بطاقة إسطنبول التي أحتاج إليها لاستخدام الحافلات ودفع أجرتها. أخذت أتجول في المنطقة بحثاً عن محل يبيع هذه البطاقات، لكنني لم أعثر على شيء.

خرجت من أحد المتاجر حائراً، ووقفت للحظات أفكر في الخطوة التالية.

التفت إلى يميني.

كان هناك شاب تركي يستعد لركوب دراجته.

سألته إن كان يعرف مكاناً لبيع البطاقات. أجابني بأنه لا يعرف.

ثم سألني:

-       من أي بلد أنت؟

-       قلت:  أنا من فلسطين.

حدث شيء صغير، لكنه بقي في ذاكرتي أكثر من كثير من الأشياء الكبيرة التي مررت بها في إسطنبول.

وضع يده على قلبه، ثم مدها نحوي وصافحني. وحين تركت يده يدي، رفع قبضته اليمنى أمامه، في إشارة واضحة إلى تضامنه مع فلسطين.

لم نكن بحاجة إلى حديث طويل. أحياناً تختصر حركة واحدة مسافة طويلة بين إنسانين. ثم أشار إلى الدراجة، وطلب مني أن أركب في المقعد الخلفي. نظرت إلى حقيبتي الصغيرة، وكأنني أتساءل كيف سترافقني في هذه الرحلة، لكنه تناولها مني ووضعها أمامه على مقود الدراجة. ثم ناولني الخوذة. وانطلقنا.

كانت إسطنبول، هذه المرة، تتحرك من حولي وأنا لا أتحرك داخلها فحسب.

على الطريق السريع المؤدي إلى شيشلي، اكتشفت أن المسافة أطول مما توقعت، وأن الوصول يحتاج إلى نحو ساعة وربع الساعة تقريباً. كنت في شبابي قد امتلكت دراجة لفترة قصيرة، لكن السنوات لا تمر من دون أن تترك أثرها حين انقلبت بي بعد أن أخل صديقي بتوازنها أثناء جلوسه على المقعد الخلفي. تذكرت تلك الحادثة التي نجونا منها. لم يعد من السهل أن أجد راحتي على مقعد دراجة صغير، وأنا أواجه الريح والمسافة. ومع ذلك، استمتعت بالرحلة. ربما لأنني لم أخطط لها. وربما لأن أجمل ما في السفر هو ما يحدث خارج الخطة.

كانت الأحياء تمر أمام عينيّ واحداً بعد آخر. مبانٍ، شوارع، جسور، محال، وجوه عابرة، وحركة لا تهدأ. ومن فوق الدراجة شاهدت المدينة من فضاء مفتوح، من دون زجاج يفصلني عنها.

لأول مرة لم أكن مجرد عابر في إسطنبول.

كنت داخل المشهد. كانت المدينة تمر بي كما كنت أمر بها.

وفي تلك الرحلة القصيرة، شعرت بشيء من طبيعة إسطنبول: مدينة لا تستقر على وجه واحد، ولا تسمح لك بأن تراها من زاوية واحدة. مدينة تتحرك بين قارتين، لكنها تتحرك أيضاً بين أزمنة متعددة؛ بين ما تركه العثمانيون، وما صنعته الجمهورية الحديثة، وبين الأحياء القديمة والعمارة الجديدة، وبين ذاكرة الأمس وإيقاع اليوم.

السمبت في شيشلي

وصلنا إلى شيشلي. ودعت الشاب وشكرته على الرحلة.

اتجهت إلى مكتب صديق لا يبعد سوى نحو كيلومتر واحد. استقبلني، وجلسنا نتناول الشاي معاً، ثم غادرت بحثاً عن مقهى قريب أستطيع أن أبحث فيه عن عنوان البيت الذي استأجرته في بيشكتاش.

كانت تلك أول مرة أجلس فيها في مقهى في شيشلي. طلبت كأساً من الشاي وقطعة من السميت. كانت تلك أول مرة أتذوق فيها السميت.

وضعت الكعكة في يدي وتأملتها قبل أن أتناولها. كان شكلها مختلفاً، لكن الطعم أعادني فوراً إلى القدس، إلى كعك القدس الذي كنت أراه في حي المصرارة. لحظة واحدة كانت كافية لفتح باب طويل في الذاكرة.

قلت في نفسي: ما الذي يجعل طعماً في إسطنبول يعيدني إلى القدس؟

ظللت أتأمل السميت، وأقارن بينه وبين كعكة القدس في مخبز فلسطيني في حي المصرارة. الشكل مختلف، لكن الطعم متقارب إلى حد أثار فضولي. كان شراء كعكة من فرن المصرارة في القدس فجراً بعد انتهاء العمل في الصحيفة يحمل معه المفاجآت. ذات مرة كنت مع صديق واشترينا الكعك والفلافل والبيض وف

وعلى الطريق ما بين بيت لحم والقدس لاحقنا رجال المخابرات الإسرائيلية وجرى اعتقالنا في منطقة القدس المحتلة عام 1948.

ومن هنا ولد سؤال لم أكن أبحث عنه أصلاً:

من بدأ بخبز هذه الكعكة؟

المقدسيون؟ أم العثمانيون الذين أمضوا قروناً في فلسطين؟ لم أجد إجابة.

لكن السؤال ظل يلح عليّ، لأن الطعام أحياناً يحتفظ بما لا تحتفظ به الكتب. قد تنتقل الإمبراطوريات، وتتغير الخرائط، وتسقط الدول، لكن وصفة خبز قد تبقى في المطبخ، أو في السوق، أو في يد بائع ينادي على بضاعته في شارع قديم.

وكعك القدس ليس مجرد طعام بالنسبة إلى المقدسيين. إنه جزء من الحياة اليومية للمدينة، ومن ذاكرة سكانها وزوارها. يشتريه المقدسيون، ويحمله زوار القدس معهم، ويأكله المسلمون القادمون للصلاة في المسجد الأقصى، كما يأكله المسيحيون الذين يزورون المدينة وكنيسة القيامة.

لهذا لم أستطع أن أتعامل مع تشابه السميت وكعك القدس باعتباره مجرد مصادفة في المذاق.

كان الطعام هنا يفتح نافذة على التاريخ. وكان التاريخ يعيدني، مرة أخرى، إلى فلسطين.

بعد احتلال ما تبقى من مدينة القدس عام 1967، لم تتوقف محاولات الاستحواذ على عناصر من التراث الفلسطيني وإعادة تقديمها داخل رواية إسرائيلية. وكان كعك القدس واحداً من الأطعمة التي دخلت هذا الصراع على الذاكرة والتراث، إلى جانب أطعمة فلسطينية وعربية أخرى.

بالنسبة لي، لم يكن الصراع على الطعام صراعاً على وصفة أو شكل كعكة. كان صراعاً على الذاكرة. وفي اسطنبول وجدته على بسطات الباعة قرب شاطئ البوسفور وهو دليل على افتراء الرواية الإسرائيلية.

فحين يحاول طرف أن يستولي على طعام نشأ في حياة شعب آخر، فإنه لا يستولي على الطعام وحده؛ بل يحاول أن يستولي على الحكاية التي جاءت به، وعلى المكان الذي نشأ فيه، وعلى الناس الذين جعلوه جزءاً من حياتهم اليومية.

وفي فلسطين، لم يكن الصراع على الأرض وحدها. كان هناك صراع آخر، أكثر هدوءاً، لكنه لا يقل خطورة: الصراع على الذاكرة.

من يملك الحكاية؟

ومن يملك الحق في أن يقول: هذا لنا؟

ربما لهذا السبب ظل السميت في يدي أطول مما ينبغي.

كنت أنظر إليه وكأنني لا أمسك كعكة، بل أمسك خيطاً رفيعاً يصل إسطنبول بالقدس خيطاً يمتد عبر قرون من التاريخ. وبأن الكعكة مقدسية فلسطينية. وليست تراثاً إسرائيلياً.

صباح بيشكتاش 

بعد أن عثرت على عنوان المنزل، اتجهت ليلاً إلى بيشكتاش. في اللحظة الأولى لم يعجبني المكان كثيراً.

كانت الصورة التي رسمتها في مخيلتي مختلفة. بدا كل شيء عادياً، ولم أشعر بأن المنطقة تحمل شيئاً استثنائياً. لكنني كنت مخطئاً. كنت قد رأيت بيشكتاش في الليل فقط. وفي المدن القديمة، لا تكفي نظرة واحدة للحكم عليها.

حين جاء الصباح، خرجت من المنزل، وإذا بالمدينة تتغير أمامي. كأن الليل كان قد أخفى عنها وجهاً كاملاً.

عندها بدأت بيشكتاش تكشف لي شيئاً من حقيقتها، وبدأت أفهم أن إسطنبول لا تمنح نفسها للزائر من النظرة الأولى.

عليك أن تمشي فيها. أن تضيع أحياناً. أن تستقل دراجة لا تعرف صاحبها. أن تبحث عن بطاقة حافلة فلا تجدها. أن تتذوق كعكة فتتذكر القدس. وعندها فقط تبدأ المدينة في الحديث معك.

إسطنبول لم تكن بالنسبة لي مجرد محطة في رحلة. كانت بوابة. بوابة لقارتين، ولكن أيضاً لزمنين، زمن عشته في فلسطين، وزمن كنت أكتشفه الآن في مدينة تركية ما زالت تحمل في شوارعها وأطعمتها وعمارتها ظلال قرون مضت.

 طقوسه الخاصة

في مساءٍ صيفي من أمسيات بشيكتاش، تبدو المدينة وكأنها تحتفل بنفسها. الشوارع تعج بالمارة، والمقاهي تضيق بروادها، وأصوات الشباب المتدفقة من الحانات والمطاعم تتداخل مع ضجيج السيارات والعابرين. الضحكات المرتفعة والأغنيات الجماعية تجعل الحي أشبه بمدرجٍ مفتوح لمباراة كرة قدم لا تنتهي، فيما تصطف عشرات الدراجات النارية على جوانب الساحات والشوارع كأنها جزء من المشهد اليومي الذي يمنح المكان روحه الخاصة.

كلما اقتربت من البحر، تبدأ رائحة أخرى في السيطرة على الحواس. على امتداد الطريق المؤدي إلى البوسفور، تتصاعد روائح الذرة المشوية والمسلوقة والكستناء التركية الساخنة والسميت من عربات الباعة المنتشرة قرب الشاطئ. يقف البائع خلف قدرٍ كبير يغلي بالماء، ينتشل منه أكواز الذرة الصفراء بمهارة اعتادها منذ سنوات، بينما يفضل آخرون مذاقها المشوي فوق الجمر. تتوقف العائلات والسياح للحظات أمام هذه العربات الصغيرة، وكأنها محطة لا بد منها قبل الوصول إلى البحر.

ثم ينفتح المشهد فجأة على اتساع البوسفور.

هناك، عند أرصفة العبارات في بشيكتاش، حيث تنطلق السفن إلى أوسكودار وكاديكوي وامينونو وسائر المدن والأحياء المنتشرة على ضفتي إسطنبول، يقف الصيادون في مواجهة الماء والانتظار. يلقون صناراتهم في المضيق بصبرٍ طويل، ويراقبون الخيوط الممتدة نحو الأعماق كأنها جسور خفية تصلهم بأسرار البحر.

العبارات تمخر المياه ذهاباً وإياباً بلا انقطاع، ترسم خلفها خطوطاً بيضاء سرعان ما تذوب في الزرقة. وتبعث محركاتها أصواتاً رتيبة تمتزج بنسيم المساء، فتشبه همسات رياح خفيفة تعبر بين قارتي آسيا وأوروبا. وكلما اقتربت إحدى العبارات من الرصيف، سارع الصيادون إلى انتشال خيوطهم وطعومهم قبل أن تبتلعها دوامات المياه التي تتركها السفينة خلفها.

للبوسفور طقوسه الخاصة، طقوس لا يتعلمها المرء من الكتب، ولا تُلتقط من خرائط المدينة. عليك أن تقف أمامه، أن تراقب مياهه وهي تمضي بين ضفتين، وأن تترك للصدفة أن تفتح لك باباً لم تكن تبحث عنه.

اقتربتُ من أحد الصيادين، وطلبتُ منه أن يمنحني فرصة لأجرب حظي. قلت له، بشيء من الدعابة، إن ما سأصطاده بصنارتك سنتقاسمه معاً. ابتسم، وكأنه سمع مثل هذا الاقتراح من عابرين كثيرين، ثم ناولني الصنارة.

أمسكتُ بالخيط ورميته بعيداً، في قلب ذلك الممر المائي الذي ظلّ، منذ قرون، يعبر المدينة أكثر مما تعبره المدينة. تركتُ الطعم يغيب في الماء، ثم بدأتُ أسحب الخيط ببطء.

بعد قليل شعرتُ بثقله. توقفتُ لحظة. كان ثمة شيء في الطرف الآخر يشدّني إلى الأسفل. أخذ الصياد يرشدني إلى الطريقة الصحيحة للسحب؛ ببطء، ومن دون استعجال، كأن الصيد ليس انتزاعاً لما تخبئه المياه، بل محاولة لإقناعها بأن تكشف بعض أسرارها.

وحين ظهرت بداية الخيط، مدّ يده وسحبه نحوه، ثم أخذ ينزع ما علق به قطعةً قطعة. لم تكن هناك سمكة.

لم أوفَّق في صيدها، لكنني التقطتُ شيئاً آخر: نجمة بحر صغيرة، كانت قد تعلقت بالخيط في غفلة مني.

ناولني إياها الصياد، وابتسم.

قال وهو يقلبها بيده:

—  ستمنحك الحظ... لكن لا تنتظر حظاً وفيراً؛ فحظها يأتي على مقاسها.

احتفظتُ بالجملة أكثر مما احتفظتُ بنجمة البحر.

ففي إسطنبول، حيث تعبر المياه بين آسيا وأوروبا، و تتجاور طبقات من الزمن كما تتجاور الضفتان، لم يعد الحظ عندي شيئاً يُقاس بما نحصل عليه، بل بما يبقى معنا بعد أن تنتهي اللحظة.

ربما لهذا بدت لي نجمة البحر الصغيرة أكثر من مجرد مصادفة. كانت بحجم كفّ تقريباً، لكنها فتحت في ذاكرتي مساحة لا تُقاس. جعلتني أفكر في هذه المدينة التي لا تمنحك أسرارها دفعة واحدة؛ تترك لك دائماً شيئاً صغيراً، علامة عابرة، كلمة من صياد، انعكاس ضوء على الماء، أو رائحة ملحٍ تأتي من جهة البحر... ثم تمضي.

أما أنت، فتبقى تجمع تلك الشظايا، وتحاول أن تصنع منها ذاكرة لمدينة لا تستقر على زمن واحد.

وضعتُ نجمة البحر جانباً، ونظرتُ إلى البوسفور. كان يعبر أمامي كما لو أنه لا يعرف الحدود التي رسمها البشر بين القارتين، ولا الفواصل التي وضعوها بين الأمس واليوم.

وفكرتُ أن إسطنبول ربما كانت تشبهه. مدينة لا تختار بين ضفتين، ولا بين زمنين. تعبرهما معاً.

غير بعيد عن الصيادين، تنتظر القطط نصيبها من صيد اليوم. تجلس على حافة الرصيف أو تتجول بين أقدام الصيادين بثقة من يعرف أن البحر كريم. وبين حين وآخر، تلقى إليها سمكة صغيرة أو بقايا طعم، فتبدو وكأنها شريكة دائمة في هذا الطقس البحري اليومي.

أما المضيق نفسه فلا يعرف السكون. ناقلات النفط العملاقة، والسفن التجارية، واليخوت الخاصة، والقوارب الصغيرة، تتقاطع مساراتها في الممر المائي الذي يصل البحر الأسود ببحر مرمرة، حتى يخيل للناظر أن صفحة الماء لم تعد تتسع لكل هذه الحركة.

وعندما يبدأ النهار بالانحناء نحو الغروب، تشتعل الضفة الآسيوية بالأضواء. تتلألأ أوسكودار على الجانب الآخر من المضيق كأنها عقد من النجوم المبعثرة فوق التلال وبين انحناءاتها. تنعكس أضواؤها على صفحة الماء المرتجفة، وتترك ظالما في رقع خضراء، فيما تزدحم المقاهي والمطاعم بالرواد الباحثين عن لحظة هدوء أمام واحد من أجمل المشاهد التي تقدمها إسطنبول لزوارها.

وفوق الجميع، يطل القمر من سماء صافية، يراقب البوسفور بنصفه المضيء، كحارس قديم يحفظ أسرار هذه المدينة التي لا تنام.

ومع حلول الليل، لا تتوقف العبارات عن رحلاتها، ولا تنطفئ أنوار بشيكتاش. القطط ما تزال تنتظر رزقاً متأخراً، والصيادون ما يزالون معلقين بخيط أمل يمتد من أيديهم إلى الأعماق. يحدقون في مياه البوسفور التي لا تنام، مترقبين صيداً ثميناً أو لحظة هدوء نادرة في غياب نوارس البحر، قبل أن يطلع صباح جديد على مدينة اعتادت أن تسهر بين البحر والقمر، وأن تحكي حكاياتها لكل من يجلس على شاطئها ولو لليلة واحدة.

إسطنبول والمدن التي جاءت إليها

كان من الصعب، في الوهلة الأولى، أن أقارن إسطنبول بالمدن العربية التي عرفتها، أو أن أضعها في كفة واحدة مع عمّان والكويت ودمشق وتونس والقاهرة وغيرها من المدن التي عبرتُها في رحلاتي. فالمقارنة بين مدينة تقع عند تخوم أوروبا وآسيا، ومدنٍ عربية امتدت إليها الإمبراطورية العثمانية قروناً، لا تبدو سهلة للزائر الذي يدخل إسطنبول للمرة الأولى.

ومع ذلك، كلما أطلتُ النظر في المدينة، بدأت المقارنة تفرض نفسها، ولكن من زاوية مختلفة.

ليس الأمر مجرد تشابهات عمرانية يمكن للعين أن تلتقطها في القباب والأقواس والأسواق والأسوار وبعض تفاصيل العمارة. ثمة ما هو أعمق من الحجر؛ صلة إنسانية صنعتها قرون من التاريخ، وانتقلت آثارها من مدينة إلى أخرى، ومن جيل إلى جيل.

كنتُ أرى إسطنبول قطباً شمالياً، والمدن العربية التي عرفتها أقطاباً جنوبية، لكن المسافة بين القطبين لم تكن دائماً كما توحي بها الخريطة. فقد كانت الإمبراطورية العثمانية، في زمن قوتها، أكثر من دولة تفرض سلطتها على رقعة واسعة؛ كانت فضاءً سياسياً وإنسانياً تتنقل داخله الأفكار والكلمات والسلع والناس، وتترك فيه المدن بصماتها، وتأخذ من بعضها بعضاً.

ولعل المفارقة الأوضح أن إسطنبول هي التي جاءت إلى تلك المدن، وليس العكس.

جاءت إليها بوصفها عاصمة الإمبراطورية ومركز قرارها، لكنها تركت وراءها شيئاً من روحها في العمارة والإدارة واللغة والأسواق والطرقات، وفي تفاصيل الحياة اليومية التي قد لا ينتبه إليها العابر إلا بعد أن يطيل الوقوف.

رحلت الإمبراطورية العثمانية عن مساحات شاسعة من نفوذها، وتغيرت الخرائط بعد الحرب العالمية الأولى، وجاءت ترتيبات سياسية جديدة، كان من أبرزها اتفاقية سايكس - بيكو، لتعيد رسم حدود المنطقة وموازينها. لكن الخرائط تستطيع أن تغيّر أسماء الدول وحدودها، ولا تستطيع بسهولة أن تمحو ما استقر في ذاكرة المدن.

بقي العثماني في تفاصيل كثيرة. بقي في كلمات ومصطلحات لا تزال شعوب المنطقة تتداولها في القدس والشام والقاهرة وتونس، وبقي في الأسواق القديمة، وفي بعض أنماط العمارة، وفي القباب والأقواس والمباني التي تحولت مع مرور الزمن إلى شواهد صامتة على عصر مضى.

حتى سكة الحديد الحجازية، التي ربطت إسطنبول دمشق وعمان والمدينة المنورة، ظلت في الذاكرة أكثر من مجرد مشروع للنقل؛ كانت تصوراً لطريق يصل أطراف الإمبراطورية بمركزها. وما زالت فكرة إعادة إحياء أجزاء من هذا الطريق تصطدم بتعقيدات السياسة والجغرافيا التي تغيّرت منذ ذلك الزمن.

وفي القدس، على وجه الخصوص، تبدو بعض هذه الآثار أكثر وضوحاً. ففي محيط الحرم القدسي الشريف وما يجاوره، تتجاوز طبقات التاريخ، ويظهر أثر الحقبة العثمانية في مبانٍ أسوار وقباب وتفاصيل عمرانية لا تزال حاضرة في المشهد، كأن الزمن، رغم كل ما فعله، لم ينجح في محوها.

وحين زرتُ تونس في مهمة صحفية، التقيتُ خلالها بالرئيس الراحل ياسر عرفات والرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي لإجراء مقابلتين صحفيتين معهما، وجدتُ نفسي ألتفت إلى تفاصيل لم أذهب إلى تونس من أجلها. لفتني التشابه بين أسوار المدينة وأسواقها وبين ما كنت قد رأيته في مدن أخرى حملت بدورها آثار الحقبة العثمانية.

بعض الأماكن اكتسبت طابعاً خاصاً في العهد العثماني. عندما زرت منطقة تقسيم البوابة إلى شارع الاستقلال رأيته مفتوحا على مصراعيه لسكانه وزواره وهو ما يشبه فخامة حي الزمالك في القاهرة. أما في عهد الإمبراطورية العثمانية فقد اقتصر الدخول في تقسيم والزمالك على الباشاوات وكبار رجال الدولة.

لم يكن التشابه نسخة عن نسخة، ولم تكن المدن متطابقة؛ لكل مدينة شخصيتها وذاكرتها ومزاجها. لكن خلف الاختلافات كان ثمة خيط خفي يصل بينها، خيط لا تراه العين سريعاً، وإنما تكشفه المقارنة حين تتحول الرحلة من مشاهدة الأمكنة إلى قراءة ما تركه الزمن فيها.

وفي دمشق وعمّان، كنت أجد بصمات أخرى لذلك الماضي. لم تكن دائماً واضحة أو مكتملة، لكنها كانت كافية لتذكير العابر بأن التاريخ لا يغادر المكان بمجرد أن تتغير السلطة أو تتبدل الرايات.