• 4 تشرين أول 2026
  • من اسطنبول

 اسطنبول - أخبار البلد - في هذا الفصل الخامس من حكايات اسطنبول التي يكتبها الصحفي والكاتب ” جودت مناع“ والتي هي جزء من كتابه القادم الذي يحمل عنوان  ” ظلال على البوسفور“ يتحدث ارث عثماني غني ومكان يجمع الرواية والتاريخ معا في عاصمة العالم في إسطنبول، تلك المدينة الملهمة والتي يعشقها البشر :

هل يحتفظ البحر بذاكرته؟

قبل أن أعبر بوابة المتحف البحري في حي بشكتاش ، كان عليّ أن أعبر حاجزًا آخر أكثر بساطة؛ حاجز اللغة.

تقدمت ببطء نحو شباك التذاكر في مكتب الاستقبال. ومنذ وصولي إلى إسطنبول كنت أكتشف، يوماً بعد آخر، أن عدم إجادتي اللغة التركية يجعل أبسط المواقف اليومية مغامرة صغيرة. ألقيت التحية على الموظف الجالس خلف الزجاج:

  • مرحباً.

بادلني التحية بابتسامة وهزّ رأسه، لكنني أدركت سريعاً أنه لا يتحدث الإنجليزية. التفت إلى زميل يجلس غير بعيد عنه، وأشار إليه بلطف كي يساعدنا على التواصل.

سألت الموظف الآخر:

  • هل يمكنني زيارة المتحف باستخدام بطاقتي الصحفية، أم يجب أن أشتري تذكرة دخول؟

مدّ يده طالباً البطاقة. ناولته إياها، فأخذ يتفحصها لثوانٍ قبل أن يرفع رأسه مبتسماً:

  • يمكنك الدخول من دون تذكرة.

شكرته بحرارة. لم يكن الأمر يتعلق بقيمة التذكرة فحسب، وإن كانت رسوم زيارة المتاحف تشكل عبئاً على ميزانيتي خلال جولاتي اليومية المتكررة في إسطنبول، بل كان في الموقف نفسه ما يبعث على الارتياح؛ ذلك النوع من المساعدة البسيطة التي يقدمها الغرباء فتجعل المدينة أكثر قرباً وأقل وحشة.

أعدت البطاقة إلى جيبي، واتجهت نحو المدخل. خلف الأبواب كانت تنتظرني حكاية أخرى؛ حكاية بحر حمل فوق مياهه أساطيل وسلاطين وبحارة، ثم احتفظ بذكراهم بين جدران هذا المتحف المطل على البوسفور.

ظل هذا السؤال يرافقني وأنا أعبر بوابة متحف البحرية في بشكتاش. كان البوسفور قريبًا، والماء يتحرك في مجراه المعتاد بين ضفتي إسطنبول، لكنني شعرت أنني، بمجرد دخولي المتحف، أبتعد عن الحاضر وأقترب من زمن آخر؛ زمن كانت فيه السفن تحمل على ظهورها أحلام الإمبراطوريات، وكان البحر طريقًا إلى القوة والمجد، كما كان طريقًا إلى الهزيمة والانكسار.

في الخارج كانت إسطنبول تمضي في يومها العادي. العبارات تعبر البوسفور، والسيارات تتحرك في شوارع بشكتاش، والمشاة ينتظرون إضاءة الإشارة للأخضر، والمدينة تبدو كأنها لا تتوقف عن الحياة. أما في الداخل، فقد كان الزمن يتحرك في الاتجاه المعاكس.

كان المتحف أشبه بأرشيف حي للذاكرة البحرية العثمانية. صور قادة الأسطول البحري للإمبراطورية العثمانية معلقة على جدار طويل، الممرات والقاعات، والسلالم الواسعة، والأشياء التي بقيت من عصور مضت، وقوارب قديمة استخدمها البحارة في حروبهم، كانت تستعيد أمامي تاريخًا طويلًا ارتبط فيه مصير الإمبراطورية بالبحر.

كلما تقدمت بين القاعات، شعرت أن البحر لم يكن بالنسبة إلى العثمانيين مجرد مساحة زرقاء تفصل بين اليابسة واليابسة، بل كان طريقًا إلى العالم. عبره تحركت الأساطيل، وعليه دارت المعارك، ومن خلاله اتسعت حدود النفوذ، ثم بدأت، مع مرور الزمن، تظهر علامات التراجع والانحسار.

كنت أفكر في ذلك وأنا أتأمل ما تركته تلك المرحلة وراءها. سفن وشعارات ورموز ولوحات للمعلومات حول تلك المرحلة، الإمبراطوريات لا تُقاس فقط بما تبنيه فوق الأرض، وإنما بما تستطيع أن تحميه وتصل إليه عبر البحر. ومن هنا كان البحر جزءًا من قوة الدولة، مثل الجيش والاقتصاد والسياسة.

وفي قلب هذه الذاكرة البحرية ظهر اسم خير الدين بربروس. وعلى يميني أثناء دخولي المتحف صور لقادة البحرية العثمانية معلقة على الجدار الطويل.

لم يكن حضوره بالنسبة إليّ مجرد اسم في كتاب تاريخ. فالأشياء المرتبطة به، وما بقي من مقتنياته وأدواته، كانت تمنح الشخصية التاريخية بعدًا إنسانيًا. فجأة، لم يعد الرجل قائدًا بحريًا فقط، بل إنسانًا عاش بين البحر والسلطة والحرب، وترك وراءه أشياء صغيرة تقول، بطريقة صامتة، إن أصحاب الأسماء الكبيرة كانوا بشرًا مثلنا، لهم حياتهم وأدواتهم وبطولاتهم وذاكرتهم.

وقفت أمام تلك الأشياء أتأمل المسافة بين الإنسان الذي عاش في ذلك الزمن والصورة التي وصلت إلينا عنه. كم يتغير الإنسان حين يتحول إلى شخصية في التاريخ؟ وكم من تفاصيل حياته تضيع عندما لا يبقى منه سوى الاسم والإنجاز؟

مشيت أمام صور القادة ببطئ. ثم انتقلت إلى القوارب السلطانية، أو ما يعرف بالقايق، بتفاصيلها التي تحمل آثار عصر كان فيه البحر أيضًا مسرحًا للبذخ والهيبة. الخشب المصقول والزخارف والذهب كانت تجعل القارب أكثر من وسيلة للنقل؛ كان صورة متحركة للسلطة.

تخيلت سلاطين الدولة وهم يعبرون البوسفور في تلك القوارب، والمدينة من حولهم تنظر إلى المشهد باعتباره جزءًا من هيبة السلطة. كان الماء يحملهم من ضفة إلى أخرى، بينما كانت الإمبراطورية تحمل في داخلها مشروعًا أكبر من مجرد عبور مضيق.

ثم توقفت أمام القادِرغة، السفينة القديمة التي أعادتني إلى زمن كانت فيه حركة المجاديف جزءًا من إيقاع البحر. الخشب القديم بدا وكأنه يحمل أثر أيدٍ كثيرة مرت عليه، وأجساد رجال دفعوا السفن إلى الأمام، وربما لم تحفظ كتب التاريخ أسماء معظمهم.

وهنا بدأت أفكر في أولئك الذين لا يظهرون عادة في صفحات التاريخ.

القادة يملكون الأسماء، لكن السفن تحتاج إلى رجال يجدّفون، والبحار يحتاج إلى من يعرف طرقه، والمعارك تحتاج إلى من يقف في مقدمة السفينة وفي مؤخرها. خلف كل قائد مشهور كانت هناك أعداد من الرجال الذين عاشوا وماتوا دون أن يعرف أحد أسماءهم.

ربما كان المتحف، في جوهره، يحفظ ذاكرة هؤلاء أيضًا.

كانت الخرائط البحرية القديمة تستوقفني بطريقة مختلفة. الخطوط والرموز والحدود التي رسمها بحّارة ورسامو خرائط في زمن لم تكن فيه أدوات الملاحة كما نعرفها اليوم، كانت تذكرني بأن السيطرة على البحر لم تكن مسألة قوة عسكرية فقط، بل كانت أيضًا مسألة معرفة.

البوصلة، وأدوات الملاحة، والمدافع، والأعلام، والوثائق القديمة، والشعارات، كلها كانت تقول إن الحضارات لا تبني قوتها بالسلاح وحده. المعرفة جزء من القوة، وربما كانت المعرفة بالبحر واحدة من أهم أدوات الإمبراطوريات التي أرادت أن تمد نفوذها خارج حدودها.

وأنا أتأمل هذه الأشياء، لم أستطع أن أفصل بين صعود الإمبراطورية العثمانية وبين البحر. فالبحر كان شاهدًا على مراحل القوة والاتساع، كما كان شاهدًا فيما بعد على التحولات التي قادت إلى التراجع. لا شيء يبقى على حاله، حتى الإمبراطوريات التي تبدو في لحظة ما وكأنها غير قابلة للانكسار.

لكن أكثر ما بقي معي بعد ساعات التجوال لم يكن اسم سلطان أو قائد، ولا مدفعًا أو خريطة، بل ذلك الإحساس بأن البحر الذي كان يحمل سفن الإمبراطورية ما زال هنا.

تغيرت السفن، وتغيرت التكنولوجيا، وتغيرت الأعلام، وتغيرت أسماء القوى التي تعبر البوسفور، لكن البحر نفسه بقي في مكانه.

ومن نوافذ المتحف كنت أرى السفن الحديثة تمضي في الطريق نفسه تقريبًا الذي عبرته سفن أخرى قبل قرون. لم يعد هناك مجد إمبراطوري يشبه ذلك الذي رأيته في القاعات، لكن حركة الماء لم تتغير.

في تلك اللحظة شعرت أن المتحف لم يعد مكانًا مغلقًا خلف الجدران. كان البحر في الخارج امتدادًا طبيعيًا له. ما رأيته محفوظًا في الخشب والخرائط والقوارب والمدافع كان يتحرك أمامي فوق الماء.

وحين خرجت من المتحف، لم أجد نفسي بعيدًا عن البحر، بل كأنني خرجت من ذاكرته الداخلية إلى ذاكرته المفتوحة أمام عيني.

وبينما أطالع واجهة الأفق الممتدة على مسافة قصيرة، حيث تتراكم طبقات التاريخ في جوف المدينة، ضاقت بأشواقي روعة المكان. اصطدم حنيني بجمال الطبيعة والتاريخ، كأن المشهد كله كان يغويني بالفرح، بينما كنت أقاوم في داخلي حزنًا لا يرى في الجمال إلا ما يذكّره بمن غاب.

لم يعد أمامي سوى أن أبقى وحدي؛ أنا والحنين المستوطن في أعماقي، نتقاسم صمت المكان ووجع المسافة. كلما أطلت النظر، بدا لي أن الأفق أقرب من اللقاء، وأن المسافة، مهما قصرت، قادرة على أن تكون أبعد من كل الطرق.

وقفت أراقب المدينة وهي تحتفي بجمالها، بينما كنت أحتفي في سري بغائب لم يغب عني يومًا. وأدركت أن بعض الأماكن لا تُرى بالعين وحدها؛ إنما تُرى بالقلب أيضًا، وأن بعض الغياب يجعل من الحنين وطنًا نحمله معنا أينما ذهبنا.

كان البحر يعرف أكثر مما تستطيع الكتب أن ترويه.

وقفتُ أمام السفن القديمة في متحف البحرية، أتأمل أخشابها الصامتة، وأفكر في سفن أخرى لم تحفظها المتاحف، سفنٍ عبرت البحر وهي تحمل على ظهورها حكايات لا تُحتمل.

على شواطئ فلسطين، كان البحر يومًا جزءًا من الحياة. كانت موانئ يافا وحيفا تضج بالحركة؛ برتقال يافا يُحمل إلى السفن، والبضائع تعبر المرافئ، والبحر يفتح للمدن طريقًا إلى العالم. ثم جاء عام 1948، فتبدلت وظيفة الموانئ في الذاكرة الفلسطينية. لم تعد بعض السفن تحمل التجارة وحدها، بل حملت أناسًا اقتُلعوا من مدنهم وقراهم، يحملون معهم مفاتيح بيوتٍ لم يعرفوا أنهم لن يعودوا إليها.

من حيفا وعكا ويافا، خرج فلسطينيون كثيرون في ظروف الحرب والتهجير، واتجه بعضهم عبر البحر نحو لبنان وسوريا، فيما توزعت عائلات أخرى في جهات مختلفة. كان الرحيل أسرع من القدرة على فهمه؛ مدينة وراء الظهر، وبيت يتضاءل شيئًا فشيئًا، وشاطئ يتحول من مكان للرزق والحياة إلى خطّ فاصل بين ما كان وما صار.

إبان الحكم العثماني، كان من قريتنا من حارب في اليونان واليمن ودول أخرى. بعضهم قتل خلال الحروب التي خاضتها الإمبراطورية أو جرح. البعض الآخر ذهب ولم يعد إلى القرية. رعد وصولي إلى تركيا، تسائلت: لماذا لم تعوض العائلات التي خسرت أبنائها أو فقدوا خلال الحرب. لماذا لم يمنحوا امتيازات في تركيا تقديراً لخوضهم الحرب إلى جانبها.

توقفت أمام سفينة معروضة خلف الزجاج. بدت صغيرة أمام ما تخيلته.

قلت في سري: كم إنسانًا يمكن أن تحمل سفينة قبل أن تصبح ذاكرة؟

ربما لهذا السبب لم أعد أرى السفن كما يراها الآخرون. لم تعد بالنسبة إليّ مجرد أخشاب ومسامير وأشرعة ومحركات. صارت أجسادًا عائمة للذاكرة؛ تحمل المدن حين تضيق بها الأرض، وتحمل أسماء الذين غادروا، وربما تحمل أيضًا ذلك الأمل العنيد بأن البحر، مهما طال، لا يستطيع أن يمحو الطريق إلى الوطن.

وخلف زجاج المتحف، ظل البحر يلمع بعيدًا. أما في داخلي، فكان بحر آخر قد بدأ يرتفع.

كانت في السماء غيوم متباعدة، تبدو خفيفة الحمل، تنساب بهدوء نحو الجنوب، كأنها تلاحق أشعة الشمس الضعيفة، أو تبحث عن شيء من دفء النهار الذي بدأ يتراجع.

كان البوسفور أمامي يمتد بين بحر مرمرة والبحر الأسود، ممرًا مائيًا ضيقًا، لكنه حمل فوق مياهه قرونًا من حركة البشر والسفن والإمبراطوريات. بدا لي أن الماء هنا يحتفظ بسر قديم، سر لا يسمح لأحد بأن يصل إليه كاملًا.

كانت النوارس لا تكاد تخلي السماء؛ تدور في فضائها بخفة، ثم تهوي فجأة إلى وجه المياه المتوّج بزرقتها، قبل أن تعود إلى الفضاء من جديد، كأنها تحمل معها شيئًا من أسرار المكان.

وفجأة، شقّ زمور مركب صمت المكان. مضى المركب في طريقه بثقل واثق، تتبعه رغوة بيضاء تشكلت خلفه، ثم أخذت تتلاشى سريعًا، كأن الماء يمحو أثر العابرين من دون تردد.

أطلت النظر إلى ذلك الأثر العابر، وشعرت أن في المشهد شيئًا مني. أثر يظهر لحظة في ذاكرة المكان، ثم تأتي المياه فتمحوه، لكنه لا يختفي تمامًا؛ يبقى في القلب، حيث لا تصل إليه يد النسيان.

تذكرت، وأنا أقف أمام هذا البحر، أن المتحف الذي خرجت منه لم يكن يحكي فقط عن سفن وقادة وإمبراطورية مضت، بل عن الإنسان نفسه؛ عن الذين عبروا البحر، وعن الذين تركوا وراءهم أثرًا، وعن الذين ظنوا أن الزمن سيحتفظ بهم، ثم مضوا مثل الرغوة خلف سفينة عابرة.

وربما لهذا السبب بدا لي البوسفور، في تلك اللحظة، امتدادًا طبيعيًا للمتحف. هناك، داخل القاعات، كانت الذاكرة محفوظة في الخشب والخرائط والأسلحة والمراكب القديمة؛ وهنا، في الخارج، كانت الذاكرة تتحرك فوق الماء، في سفينة تعبر، ونورس يحلّق، وأثر أبيض سرعان ما يذوب.

وقفت طويلًا، لا أبحث عن شيء محدد، وإنما أترك البحر يستعيد أمامي ما اختزنته المدينة من حكايات. كان المكان جميلًا، لكنني لم أستطع أن أراه منفصلًا عن غيابي. كلما اتسع الأفق أمام عيني، اتسعت معه المسافة التي أحملها في داخلي.

عندها فهمت أن بعض المدن لا تكتفي بأن تُرى، بل تدخل إلى الذاكرة من أبواب لا نعرفها. وأن البحر، مهما ابتعدت شواطئه، يستطيع أحيانًا أن يقرّب إلينا ما عجزت المسافات عن إعادته.

عدت بنظري إلى الماء مرة أخيرة. كان المركب قد ابتعد، ولم يبق خلفه سوى سطح هادئ، كأن شيئًا لم يكن.

أما أنا، فكنت أعرف أن شيئًا قد حدث بالفعل.

فبعض الآثار تمحوها المياه، وبعضها لا يمحوه البحر ولا الزمن.

ولعل هذا هو سر البحر الذي لم أفهمه إلا بعد خروجي من المتحف: أنه لا يحتفظ بكل ما يمر فوقه، لكنه يترك فينا أثر كل ما مررنا به.