- 29 تشرين أول 2026
- حكايات مقدسية
بقلم : الباحث الشيخ مازن اهرام
تختزن الأمثال الشعبية العربية ذاكرة الجماعة وتجاربها، وتختزل في تراكيب موجزة حكايات طويلة ومواقف إنسانية متشعبة، وخبرات تراكمت عبر الأجيال. وهي، بهذا المعنى، ليست مجرد عبارات عابرة تتردد على الألسنة، بل شواهد ثقافية تحمل دلالات اجتماعية ولغوية وتاريخية، وتكشف عن طرائق الناس في التعبير عن ذواتهم وفهم العالم من حولهم.
ومن هذه الأمثال عبارة «من طأطأ لسلام عليكم»، التي تُستخدم في اللهجات العربية عند مطالبة شخص بسرد الحكاية من بدايتها إلى نهايتها، دون إغفال تفصيل صغير أو تجاوز حدث مهما بدا عابرًا. وحين يقول أحدهم لمحدثه: «احكِ لي من طأطأ لسلام عليكم»، فإنه يطلب رواية متكاملة تبدأ من اللحظة الأولى، وتمضي عبر تفاصيل الأحداث وتحولاتها، حتى تصل إلى خاتمتها.
وفي الاستعمال الشعبي، تُفهم كلمة «طَقّ» بوصفها محاكاة صوتية لقرع الباب، أو تعبيرًا مجازيًا عن بداية الحكاية، فيما تشير عبارة «السلام عليكم» إلى لحظة الانصراف والمغادرة، أي نهاية المشهد الحكائي. وهكذا يتشكل المثل، في دلالته التصويرية، من مشهد يبدأ بقرع الباب عند الدخول، وينتهي بإلقاء السلام عند الخروج، مرورًا بكل ما يقع بين اللحظتين من أحداث وأقوال ومشاعر..
وتلتقي هذه التعبيرات جميعها عند معنى واحد: أن الحكاية لا تكتمل إلا حين تُروى تفاصيلها، وأن فهم النهايات يقتضي العودة إلى البدايات.
ومن هنا، لم يكن اختياري لهذا المثل عنوانًا لحكايتي مع صديقي هشام اختيارًا عابرًا؛ فقد وجدت فيه إطارًا سرديًا يتسع للذاكرة والمكان والاغتراب، ولحكاية إنسان عاد إلى مدينته، لكنه اكتشف أن العودة إلى الجغرافيا لا تعني بالضرورة العودة إلى الوطن الذي يسكن الوجدان.
امتشقت قلمي، وحملت أوراقي، وخطوت باتجاه باب العامود، أحد أبرز أبواب البلدة القديمة في القدس. جلست على مقعد خشبي بمحاذاة الطريق، أراقب المشهد الذي تتداخل فيه حركة الناس مع صمت الحجارة، وتتعانق فيه تفاصيل الحياة اليومية مع ذاكرة مدينة تعاقبت عليها الأزمنة والحضارات.
كانت الأدراج الحجرية الواسعة تعج بالباعة والمارة، وتتنقل الوجوه أمامي كأنها صفحات مفتوحة من كتاب مقدسي قديم. هنا بائع ينادي على بضاعته، وهناك رجل يحمل أكياسه متعجلًا، وامرأة تتوقف لحظة لتلتقط أنفاسها، وطفل يشق طريقه بين المارة، غير عابئ بثقل التاريخ الذي يحيط به.
كان المكان نابضًا بالحياة، تتفرع منه المسارات المؤدية إلى أسواق البلدة القديمة، ومنها سوق خان الزيت، كما تتصل المنطقة بشبكة الأزقة والدروب التي تقود إلى المسجد الأقصى وكنيسة القيامة. وفي هذا التداخل المكاني تتجلى خصوصية القدس؛ مدينة لا يمكن اختزالها في شوارعها وأبنيتها، لأنها أيضًا ذاكرة دينية وإنسانية وتاريخية تتجاوز حدود الحجر والجغرافيا.
كان ضوء الشمس ينساب على الحجارة المقدسية، فيمنحها لمعانًا يشبه انعكاس اللؤلؤ على صفحة الماء. وتمتد ظلال الباعة والمارة فوق المدرجات، فتبدو كأنها مشاهد متعاقبة على مسرح قديم، لم يتوقف عن استقبال الحكايات منذ قرون.
لكن المشهد، على جماله، لم يكن قادرًا على إخفاء ما يختبئ خلفه من وجع. فالمدينة التي تزدحم بالحياة تحمل في تفاصيلها أيضًا آثار القلق والانتظار، وتختزن وجوه أهلها أسئلة لا تجد دائمًا طريقها إلى الكلمات.
كان المكان يحدّثني بلغته الخاصة؛ لغة الحجارة التي لا تنطق، لكنها تشهد، ولغة الوجوه التي قد تصمت طويلًا، بينما تختزن في داخلها حكايات لا تكفيها المجالس ولا الأوراق.
في اليوم السابق، كانت السماء ملبدة بالغيوم الداكنة، ولم تكن قد أفرغت حمولتها كاملة من المطر. وقد لفتتني قطرات بقيت معلقة على الأغصان العارية، تتلألأ تحت الضوء كأنها دموع ندى لم تجد سبيلًا إلى السقوط.
تأملتها طويلًا، ثم وجدتني أستحضر، دون إرادة مني، دموع المقدسيين؛ أولئك الذين يحملون في قلوبهم ثقل المكان، ويواجهون في تفاصيل حياتهم اليومية ما لا تستطيع الكلمات أن تحيط به.
لم يكن التشبيه بين قطرات المطر والدموع مجرد صورة بلاغية عابرة، بل بدا لي انعكاسًا لحالة وجدانية تتجاوز الفرد إلى الجماعة، حيث يتداخل الحزن الشخصي مع الألم العام، وتغدو الطبيعة مرآة لما تعجز النفس عن التعبير عنه مباشرة.
وفي تلك اللحظة، كنت أتفيأ ظلال زيتونة عتيقة تنتصب بشموخ، ضاربة جذورها في الأرض، كأنها تعرف من أسرار المكان ما لا يعرفه العابرون. وقد زادها المطر اخضرارًا وتوهجًا، حتى بدت كجوهرة خضراء تتوسط المشهد.
تأملت جذعها، وأغصانها الممتدة، وأوراقها التي استعادت بريقها بعد المطر، فخُيّل إليّ أنها تختصر سيرة الإنسان الفلسطيني؛ جذور عميقة، وذاكرة ممتدة، وقدرة على استعادة الحياة رغم القسوة.
فالزيتونة في الوجدان الفلسطيني ليست شجرة فحسب؛ إنها رمز للأرض والبقاء، ولعلاقة الإنسان بمكانه، وللذاكرة التي تنتقل من جيل إلى جيل، حتى حين تتغير الظروف وتشتد المحن.
وبين الحجارة العتيقة والأغصان المبتلة، أدركت أن للمكان ذاكرة لا تقل عمقًا عن ذاكرة الإنسان، وأن بعض الأشجار، مثل بعض المدن، تروي حكايتها بمجرد أن تقف أمامها وتصغي.
في حضرة هشام... حين تستيقظ الحكاية
لم يمض وقت طويل حتى ظهر صديقي هشام، ودعاني إلى زيارته في منزله القريب من مدخل باب العامود، عند عقبة المولوية.
لبّيت دعوته، وسرت معه في الطريق، وأنا أستشعر ذلك الفضول الذي يرافق لقاء صديق غاب سنوات طويلة في بلاد الغربة. كانت الأسئلة تتزاحم في ذهني: كيف عاش تلك السنوات؟ ماذا تغيّر فيه؟ وكيف تبدو الحياة لمن يعود إلى مدينته بعد غياب، وهو يحمل في ذاكرته صورة قديمة عنها، ثم يجد نفسه أمام واقع مختلف؟
ما إن دخلت الغرفة حتى شعرت برهبة غامضة. لم تكن غرفة جلوس عادية؛ فقد اجتمع فيها هدوء الألوان مع أناقة المقاعد، وبساطة الديكور مع ذوق رفيع يضفي على المكان سكينة خاصة. بدا كل شيء مرتبًا بعناية، ومع ذلك لم تكن الأناقة وحدها ما يلفت الانتباه؛ كان ثمة صمت خفي يملأ أرجاء الغرفة، كأن الجدران تحفظ أسرارًا لم تجد طريقها بعد إلى البوح.
جلست قبالته على مقعد دمشقي مطعّم بالصدف، وبدأنا حديثًا تقليديًا عن الأحوال والدراسة والتحصيل العلمي، وعن سنوات الغربة وما حملته من تجارب وتحولات.
كان هشام يصغي أكثر مما يتكلم، ثم بدا كأنه اتخذ قرارًا داخليًا بفتح باب ظل موصدًا طويلًا.
رفع عينيه نحوي وقال بصوت خافت:
«سأقص عليك حكايتي من طأطأ لسلام عليكم».
لم تكن العبارة، في تلك اللحظة، مجرد مثل شعبي يُقال لبدء السرد؛ لقد تحولت إلى وعد بكشف ما تراكم في الذاكرة من أحداث، وما انطوت عليه النفس من خيبات وآمال، وما تركته الغربة من ندوب لا تظهر على الجسد، لكنها تستقر عميقًا في الروح.
كان يتحدث ببطء، ثم يتوقف أحيانًا كأن الكلمات تثقل على لسانه. وحين بلغ بعض المواضع المؤلمة، لمعت الدموع في عينيه، وتغير صوته حتى صار أجشّ، بينما أخذ القلم يرتعش بين أصابعي.
قال:
أتمنى أن أعود إلى المكان الذي كنت فيه. هناك وطن لكل الغرباء؛ هناك الأمن والأمان والراحة. لم يسألني أحد عن بطاقتي الشخصية، ولم أقف على حاجز ساعات طويلة، ولم أشعر أن عليّ أن أبرر وجودي في كل خطوة أخطوها.
وهنا، حيث يفترض أن أكون في وطني، أصبحت الغربة جزءًا من يومي. وهناك، بعيدًا عن هذه الأرض، شعرت أحيانًا أنني أكثر انتماءً وطمأنينة.
الغربة هناك وطن، وهنا أصبح وطني غربة. ماذا أبوح لك؟ شتان بين المشرقين.
سقطت كلماته في نفسي سقوط الحجر في ماء ساكن، فاضطربت الدوائر داخلي، واتسعت حتى لامست ذكريات وتجارب وأسئلة كنت أظن أنني وضعتها جانبًا.
لم أستطع منع دمعتين من الانحدار على وجنتيّ. حاولت أن أجد كلمات تليق بحجم ما سمعت، لكن الكلمات بدت أصغر من الوجع.
قلت له، وأنا أقاوم انكسار صوتي:
«أسأل الله أن يحقق أمنيتك، وأن يأتي اليوم الذي تتحرر فيه الأرض من كل ما يثقلها، ويستعيد الإنسان حقه في الحياة الكريمة والأمان».
لكنني كنت أعرف أن الأمنيات، مهما صدقت، لا تكفي وحدها لإزالة الحواجز من الطرق، ولا لمحو سنوات الغياب، ولا لإعادة الإنسان إلى الصورة التي تركها في ذاكرته قبل الرحيل.
ساد الغرفة صمت ثقيل، ولم أعد أسمع سوى أنفاسنا المتقطعة، وصوت الحياة الآتي من الشارع البعيد.
وفي الخارج، كانت الزيتونة العتيقة لا تزال شامخة، تتخلل أغصانها زقزقات العصافير وأصوات الحمام. بدا المشهد، في ظاهره، احتفاءً بالربيع، وكأن الطبيعة تواصل أداء طقوسها اليومية دون أن تعبأ بما يعتمل في صدور البشر.
غير أنني كنت أشعر بأن شيئًا في داخلي قد تبدّل. كانت الكلمات التي سمعتها تتردد في أذني، وتختلط بصوت المدينة، حتى لم أعد قادرًا على الفصل بين حكاية هشام وحكاية القدس نفسها.
قطع هشام الصمت، وقال:
منذ صباح اليوم الأول لعودتي، أردت أن أجمع خطواتي بين دروب القدس العتيقة. كنت أريد أن أستعيد طفولتي، وأن أرى الأماكن التي كبرت فيها، وأن أتأكد أن المدينة التي تسكن ذاكرتي ما زالت هي المدينة نفسها.
لكنني، كلما مشيت في أحد أزقتها، وجدت نفسي أسأل:
أهذه هي المدينة التي أمضينا فيها طفولتنا؟ وهل هذه هي القدس التي عرفناها؟ وهل بقي أهلها كما كانوا؟ وهل يستطيع الإنسان أن يعود إلى المكان نفسه، ثم يكتشف أنه لم يعد الشخص نفسه؟
ألف سؤال وسؤال يجول في خاطري. أراقب العالم من حولي، وأتساءل عن هذه النظرات التي تلاحقنا، وعن الزفرات التي تنبعث من صدورنا. أحيانًا أشعر أنني أريد أن أتكلم، لكنني لا أعرف لمن أشكو».
كان حديثه أقرب إلى مناجاة داخلية منه إلى حوار عابر. لقد عاد إلى المدينة التي حملها معه سنوات الغياب، لكنه اكتشف أن الذاكرة تحتفظ بالمكان في صورة مثالية لا يستطيع الواقع أن يطابقها تمامًا.
فالعودة ليست حركة جغرافية فحسب؛ إنها مواجهة بين زمنين: زمن مضى واستقر في الذاكرة، وزمن حاضر يفرض حقائقه وتناقضاته. وبينهما يقف الإنسان حائرًا، يحاول أن يصالح ما يتذكره مع ما يراه، وما كان يأمله مع ما يجده.
ولعل أقسى أشكال الاغتراب أن يعود المرء إلى بيته، ثم يشعر بأنه يحتاج إلى التعرف إليه من جديد؛ أن يمشي في الطرقات التي حفظها صغيرًا، لكنه لا يستطيع أن يستعيد الإحساس القديم بالأمان، أو أن يعثر على ذاته بالصورة التي تركها عند الرحيل.
وهكذا لم تكن حكاية هشام حكاية رجل غادر وطنه ثم عاد إليه فحسب، بل كانت حكاية علاقة معقدة بين الإنسان والمكان، وبين الذاكرة والواقع، وبين حق الانتماء وشروط الحياة اليومية.
مع خيوط الصباح الأولى، حين تتعالى زقزقة العصافير في أعالي السماء، وترفرف الحمامات بأجنحتها فوق الأسطح، تتردد في أرجاء المدينة ترانيم الدعاء، وتنهض الأرواح على رجاء يوم جديد.
كنت أعيش هذه اللحظات الصباحية بوصفها نافذة واسعة للأمل؛ مشهدًا تتعانق فيه أصوات الحياة مع الدعاء، وتبدو فيه المدينة كأنها تستعد لولادة جديدة.
كان الصباح يبعث في النفس المحبة والحبور، ويمنح القلب فسحة للتفاؤل، على الرغم من كل ما يحيط بالمكان من تحديات ومخاوف..
وليس من التناقض أن يحب الإنسان وطنه، وأن يتألم من واقعه، أو أن يتمسك بالانتماء إليه، وأن يطالب في الوقت نفسه بحياة تحفظ كرامته وتصون حقوقه.
فالوطن، في معناه الإنساني العميق، ليس مجرد حدود مرسومة على الخرائط، ولا تاريخًا نتغنى بأمجاده، بل هو أيضًا عدالة وأمان وكرامة، وعلاقة متبادلة بين الإنسان والأرض التي ينتمي إليها.
في لحظات الانكسار، تستدعي الذاكرة العربية والإسلامية صورًا دينية تحمل معاني الابتلاء والصبر والنجاة والعدل. ويأتي استحضار قصة يوسف عليه السلام في البئر، وقصة موسى عليه السلام أمام البحر، بوصفه وسيلة رمزية للتعبير عن الضيق حين تتكاثر أسباب الخوف، ويشعر الإنسان بأنه محاصر بين ماضٍ موجع ومستقبل مجهول.
غير أن المفارقة المؤلمة في واقعنا المعاصر تكمن في أن بعض أوجاعنا لا تأتي من الأخطار الخارجية وحدها، بل تتولد أيضًا من خلافاتنا الداخلية، ومن عجزنا عن بناء مساحات مشتركة تحمي الإنسان وتصون كرامته.
وإذا كان يوسف عليه السلام قد وجد في محنته طريقًا إلى النجاة، وكان موسى عليه السلام قد واجه البحر وقومه في لحظة خوف عظيمة، فإن العبرة ليست في المقارنة بين أشخاص وأزمنة مختلفة، بل في استلهام معاني الصبر والثقة والعدل، ومساءلة أنفسنا عن قدرتنا على مواجهة أزماتنا دون أن نضيف إلى مآسيها مزيدًا من الظلم والانقسام.
إن استدعاء القصص الديني ينبغي أن يقودنا إلى تهذيب السلوك ومراجعة الضمير، لا إلى تحويل المقدسات إلى أدوات للاتهام أو المزايدة. فالدين الذي يستحضره الإنسان في خطابه الأخلاقي ينبغي أن يظهر أثره في معاملته للآخرين، وفي احترامه لحقوقهم، وفي صدقه وعدله ورحمته.
ولعل أكثر ما نحتاج إليه اليوم هو أن نعيد وصل المبادئ التي نعلنها بالممارسات التي نعيشها، وأن نتوقف عن استخدام القيم الدينية والوطنية غطاءً لتبرير الأخطاء، أو وسيلة لإقصاء الآخرين، أو ستارًا يخفي المصالح الشخصية.
فلا قيمة لخطاب يرفع راية الفضيلة، بينما يتخلى عن الإنسان حين يصبح الدفاع عنه مكلفًا.
تأملت طويلًا في تلك المفارقة التي أوجعتني: كيف يمكن لأمة تمتلك هذا الرصيد من التاريخ والثقافة واللغة والدين أن تجد نفسها أمام أسئلة قاسية تتعلق بوحدتها وقدرتها على حماية أبنائها؟
لم يكن السؤال دعوة إلى تمجيد الماضي لمجرد أنه ماضٍ، ولا إلى محاكمة الحاضر بأحكام مطلقة، بل محاولة لفهم الفجوة بين ما نعتز به من قيم موروثة وما نمارسه في حياتنا المعاصرة.
كان هشام يتحدث، وأنا أدوّن، لكنني شعرت في لحظة ما بأن الورقة لم تعد تتسع لكل ما يقال.
لم تعد الكلمات مجرد جمل متتابعة، ولم يعد القلم أداة محايدة لتسجيل الوقائع. صار كل سطر يحمل شيئًا من الوجع، وكل فاصلة تتيح للنفس فرصة قصيرة لالتقاط أنفاسها قبل أن تستأنف الإصغاء.
كانت عيناي تتنقلان بين وجهه وأوراقي، وكنت أبحث عن كلمة تخفف عنه، لكنني لم أجد سوى الصمت الذي يرافق أحيانًا أصدق لحظات المواساة.
في الخارج، كانت الحياة تمضي على إيقاعها المعتاد. أصوات المارة، وحركة الباعة، وخطوات العابرين، ونداءات الأسواق؛ كل شيء يبدو وكأنه لم يتغير.
أما في الداخل، فقد كانت حكاية أخرى تتكشف، حكاية رجل عاد إلى مكانه، لكنه لم يجد الطمأنينة التي ظن أنه سيجدها، وحكاية مدينة تحاول الاحتفاظ بملامحها في مواجهة التحولات، وحكاية إنسان يريد أن ينتمي دون خوف، وأن يعيش دون أن يشعر بأنه مطالب في كل لحظة بإثبات حقه في الوجود.
وفجأة، شعرت أنني لم أعد مجرد مستمع إلى قصة صديق، بل أصبحت شاهدًا على معاناة تتجاوز حدود تجربته الفردية.
فالحكايات التي تُروى بصدق تفعل أكثر من نقل الأحداث؛ إنها تضع المستمع أمام مسؤوليته، وتدعوه إلى إعادة النظر في أحكامه، وفي الطريقة التي يفهم بها الألم الإنساني.
لم أعد أحتمل مزيدًا من الكلام.
نظرت إلى هشام، وكان الألم لا يزال ظاهرًا في ملامحه، ثم قلت بصوت أثقله الحزن:
«كفى يا أخي، لقد أوجعت صدري بمقتل، ثم تقول لي: يحيا الوطن».
خرجت العبارة مني عفوية، محملة بما عجزت عن قوله طوال الجلسة. لم تكن رفضًا للوطن.
ولذلك، فإن السؤال الذي تركته حكايته في نفسي لم يكن: لماذا غادر هشام وطنه؟
لماذا اشتاق إلى مكان آخر؟ بل كان سؤالًا أكثر إيلامًا: ما الذي يجعل الإنسان يشعر بالغربة في وطنه، ويبحث عن معنى الوطن بعيدًا عنه؟
رفعت رأسي نحو النافذة، فرأيت الزيتونة العتيقة لا تزال شامخة في مكانها. كانت قطرات المطر قد جفت عن بعض أوراقها، فيما ظلت أخرى تحتفظ ببريق خافت، تعكسه أشعة الشمس.
عندها أدركت أن الحكاية التي بدأناها بعبارة «من طأطأ لسلام عليكم»
لن تنتهي بمجرد مغادرتنا الغرفة، أو إغلاق الدفتر، أو جفاف الحبر على الورق.
فثمة حكايات لا تنتهي عند آخر سطر، لأنها تظل مفتوحة في حياة أصحابها، وتنتقل من الذاكرة الفردية إلى الذاكرة الجماعية، ومن ألم الإنسان إلى ضمير المجتمع.
وهكذا بقي هشام في ذاكرتي، وبقيت القدس حاضرة في تفاصيل الحكاية، وبقي السؤال معلقًا بين الزيتونة العتيقة والحجارة المقدسية:
هل يكفي أن نقول إننا نحب الوطن، أم أن علينا أن نجعل من هذا الحب مسؤولية تحمي الإنسان، وتصون كرامته، وتمنحه الحق في أن يعيش على أرضه آمنًا حرًا؟
تلك هي الحكاية، من أول طرقة على الباب، إلى آخر سلام عند المغادرة؛
حكاية إنسان يبحث عن وطن، ووطن لا يكتم

