• 14 آيار 2026
  • أقلام مقدسية

 

 

 بقلم : الباحث الشيخ مازن اهرام 

 

جاء في كتاب المثنوي لمولانا جلال الدين الرومي القنوي وهو كالجدول العميق في الأتَلاَلَ الأعْلىَ يَنْثُر رقيِمَهُ الروحاني على الملايين من البشرية في العالم قد ربط مولانا جلال الدين بتعبير بين العشق للديًن وبين الصوفية وصَنْعة الشعر وفي سُنن المولوية التي تبدو في حياتِه وضوء خطاباته يُوجد نبرٌ كثير فيما يتعلق بأن يحول الخطاب المعنوي للإسلام إلى سِمت العيش ومذهبه فالمثنوي الذي هو أعظم مؤلفات الرومي بتعبير المتصوفة كتاب التسامح والوحدة الذي يُغني شدو العشق بأنيس وبلاغة 

تعد عبارات المثنوي لجلال الدين الرومي بحراً من الحِكم الصوفية، تركز على العشق الإلهي، تطهير النفس، والبحث عن المعنى الداخلي بعيداً عن ظواهر الأمور. 

من أبرزها 

"ارتق بمستوى حديثك لا بمستوى صوتك، فالمطر الذي ينمي الأزهار وليس الرعد"، و"لا تُشرق الروحُ إلا من دُجَى ألمٍ"‏ وهل تُزهر الأرضُ إلّا إنْ بكى المطرُ

"مَنْ لا يركض إلى فتنة العشق يمشي طريقاً لا شيء فيه حي"، و"العاشق لا يعرف اليأس أبدًا، وللقلب المغرم كل الأشياء ممكنة". إنك قد رأيت الصورة ولكنك غفلت عن المعنى"، و"إن تكن تبحث عن مسكن الروح، فأنت روح" 

"الصمت ليس غياب الصوت، بل حضور أعظم… حضور من لا يُحكى، ولا يُفسَّر، ولا يُحدّ بحدّ". 

وقد عبر جلال الدين في سِفره المثنوي إضافة لسفره المعنوي كناية ومجاز إشارة لطيفة لقصة التاجر والببغاء مفادها كيف الخلاص من عالم الأقفاص...!!!

رواية القصة أن تاجرًا كان لديه ببغاء جميلة فصيحة وأزمع السفر إلى الهند للتجارة، فقال لأولاده وخدمه: ليقترح كُلٌّ من يشاء من هدايا الهند. فاقترح كل واحد ما أحبَّ، وسأل الببغاء: ما تريدين؟ فقالت: إذا بلغت الهند ورأيت أسراب الببغاء فأبلغهن عني ما ألاقي من عناء في الحبس، وأبلغهن عتبي بما نسينني ونَعِمن بالعيش في الغابات على غصون الأشجار.

فلما أبلغ التاجر هذه الرسالة إلى ببغاوات الهند ارتعدت إحداهن وخرَّت ميتة.

فلام التاجر نفسه على إبلاغ رسالة لم يعرف عواقبها.

ولما رجع إلى بلده أدَّى الهدايا التي وعد بها، وسألته الببغاء عن رسالتها، فأبان عن أسفه وندمه وقصَّ عليها ما رأى، فإذا هي تنتفض وتخر ميتة كتلك.

فحزن التاجر على الببغاء الجميلة، ورجع يلوم نفسه على التكلم بما لا يدرك عاقبته، ويندب ببغاءه التي كانت أنسه ومتعته.

ثم أخذها من القفص ورمى بها، فإذا هي تطير وتقف على غصن شجرة.

فدهش الرجل وسألها عن هذه الأعجوبة. فقالت له: هذه هي الرسالة التي رجعت بها من الهند، فقد أشارت الببغاء التي خرَّت أمامك هامدة هناك بأن أفعل فعلها وأموت موتها، لأخلص من الأسر الذي أعانيه … إلخ.

وبيَّن أن جلال الدين جعل الببغاء مثلًا للروح الإنسانية وبلادَ الهند مَثلًا لعالم الأرواح، وجعل الموت كناية عن الرياضة الصوفية التي يخلص بها الإنسان من أهوائه وشهواته؛ فينال الطمأنينة وينجو من العناء والقلق.

وسيرى القارئ الاستطراد الطويل في أثناء القصة، سُنة جلال الدين في كتابه، يتخذ القصة ذريعة إلى مقاصده غير مُبَالٍ بسياق القصص كما قلت من قبل.

ورأى التاجر من بعد العناءْ     في بِلاد الهند سِربَ الببغاءْ

                   وقف الركبَ ونادى عَجِلَا        وأتاها مُبلغًا ما حُمِّلَا

                    فإذا واحدة تنتفضُ                 ثم تهوي ميْتة لا تنبِض

ندم التاجر مما وصفا            قال: قد أهلكت نفسًا، أسفَا

علَّها أخت لتلك الفاردة           رُبَّ جسمين لروح واحدة

لم أرسلتُ كلامًا ذا ضَرر؟       أُحرِق الطائر من هذا الخبر

ولسان المرء زَند وحجَر        يستطير اللفظ منه كالشرر