• 5 تشرين أول 2026
  • أقلام مقدسية

 

بقلم : د، نائلة الوعري

نحن أبناء فلسطين، أصحاب الأرض والبيوت التي سُرقت منا. نعرف مدننا وقرانا، ونعرف أبوابها وحاراتها وأزقتها، ونحفظ حجارة أسوارها وقرميد بيوتها كما نحفظ وجوه أهلنا. المكان ليس اسمًا على خريطة؛ إنه البيت الذي عشنا فيه، والشارع الذي عرف خطواتنا، والزيتونة التي زرعها أجدادنا.

في القدس، ترعرعنا في ساحات المسجد الأقصى، ولعبنا صغارًا في باحاته وتحت أشجاره، وسمعنا الأذان في أوقات الصلاة. أحيينا ليالي رمضان، وعشنا تفاصيل المدينة وأهلها. كنا نخطط لمستقبلنا في بيوتنا وبين أحبّتنا، ونزرع أحلامنا عند عتبات الدار مثل شتلات الياسمين.

لكن حياتنا تغيّرت. عاش آباؤنا وأجدادنا النكبة، وشهدنا نحن النكسة واحتلال القدس، ويشهد أحفادنا اليوم ما يجري، ولا سيما في غزة، من قتل ودمار ونزوح. جيل بعد جيل، ظلّ الفلسطيني يُدفع بعيدًا عن بيته وأرضه، من التهجير إلى اللجوء، ومن اللجوء إلى نزوح جديد.

صرنا نحمل الوطن في الذاكرة، ونحمل مفاتيح بيوتنا معنا في الغربة. نسأل عن إقامة وجواز سفر، ونبحث عن سقف آمن بعدما سُرقت بيوتنا، وعن عنوان جديد بعدما صودر عنواننا. وبعض البيوت التي بناها أهلها صارت لا تعرف أصحابها؛ تغيّرت معالم أحياء، وحلّت أسماء وأعلام جديدة مكان ما ألفناه.

هذه ليست حكاية فقدان بيت فحسب؛ إنها حكاية اقتلاع من المكان وجرح في الهوية والانتماء. ومع ذلك، لا يغيّر المنفى صلتنا ببيوتنا، ولا يمحو أسماء الحارات والوجوه من ذاكرتنا. ما زلنا نعرف الطريق إلى أبوابنا، حتى إن ابتعدنا عنها.

نحن أبناء تلك البيوت، وأصحاب الأرض، وحراس ذاكرة لا تموت. نحمل صورة المكان قبل الاحتلال، ونتذكر اليوم الذي تبدّل فيه المشهد. وشهادتنا أمانة: أن نروي ما عشناه، وأن تبقى حكاية بيوتنا حاضرة في ذاكرة أبنائنا وأحفادنا